في البودكاست الخاص بمشروع بيلبورد بيتس، وعلى هامش تعاونه مع المغني الشاب السعودي يزيد فهد في أغنية "زاد الشوق" قبل شهرين، تحدث ناصر عن استمتاعه بفكرة أن يتماهى مستمعون من حيوات مختلفة مع المواقف التي يحكي عنها. فهو يرى أننا، في نهاية اليوم، نعيش السيناريوهات اليومية ذاتها، لكن بأشخاص مختلفين وأماكن مختلفة. ربما يفسّر ذلك تفضيله على مدار ثلاث سنوات الخط العاطفي في موسيقاه، وتركيزه على الجانب الإنساني بتفاصيله بدلًا من تصدير صورة القوة ومسارات النجاح.
في محاولاته المستمرة، يحضر صوت يسعى إلى الإمساك بالمشترك الإنساني، ويعبّر، بوعي أو من دونه، عن تعقيدات باتت تمس تفاصيل العلاقات العاطفية لدى جيله، نتوقف هنا عند سنواته القليلة من الإنتاج، التي استطاع خلالها أن يخلق صوتًا ذاتيًا مميزًا، أهّله ليكون اسمًا حاضرًا بقوة في مشهد الجيل الجديد من الموسيقيين الذين يجمعون بين جنسي الإندي والهيب هوب.
خلطة موسيقية تجريبية أولى
بدأ ناصر مسيرته في مارس 2023 بإصداره فيديو كليب أغنية "تايه"، مقدمًا تجربة موسيقية مشتركة مع خفاجي، اعتمدت أساسًا على تحفيز حالات شعورية خاطفة وسريعة. تجلّى ذلك في إنتاج موسيقي يرتكز على إيقاعات غير مكتملة مستوحاة من لحن الدرام أند بايس، تتوقف عند ذروتها ليكملها صولو جيتار إلكتروني على الإيقاع نفسه، مع حضور أداء انفعالي واضح في الغناء.
تقاطعت هذه التركيبة مع ثيمة تجارب الحب السام والعلاقات العاطفية غير واضحة المعالم، إذ يصبح السرد معلّقًا بين الرغبة في التخلص من الحبيب ونسيانه لعدم ملاءمته، وبين العجز عن تنفيذ ذلك بسبب تأثيره النفسي العميق.
ظل ناصر متمسكًا بهذه الثيمة كتابةً ولحنًا، معتمدًا على موزعين قادرين على ترجمة الحالة عبر عناصر موسيقية متنوعة؛ فنجد خفاجي يستخدم البريكيشن بكثافة وتقطيعات غير مكتملة في أغنية "يا حبيبي"، بينما يستعير دي جي توتي عناصر من البوب التجريبي، مثل الدرامز ورفّات الجيتار الإلكتروني، ويمزجها بطبقة صوت معدّلة بالأوتوتيون بشكل واضح.
في ألبوم "عالم تالت" يحسم ناصر حالة الصراع العاطفي النفسي الناشئة عبر الاستسلام للهشاشة والتسليم بحقيقة الفراغ الذي يخلّفه الفقد. يتجلى ذلك في جمل مثل: "وأنا مكنتش مبين حبك/ أنتِ عارفة إني صلب" من أغنية "عالم تالت" أو "حالي راح في ضياع" من أغنية "أوه أوه أوه" بالتعاون مع كيتو.
يحضر، بالتوازي، صوت يتمنى وجود عالم مثالي موازٍ، خارق لقواعد العالم الحالي، تتبخر فيه الصعاب وتزول العوائق الشخصية وأزمات الخوف من التعلق، وغيرها من معيقات الوصول إلى علاقة صحية. كما يبرز بوضوح الصوت الموسيقي التجريبي للمنتج يوفيل، خاصة في تطعيمات الموسيقى الإلكترونية الراقصة، سواء التكنو أو الإلكترو هاوس
الرهان على الصورة في "على باب السيما"
قدّم ناصر العام الماضي ألبومًا من 5 أغنيات يعتمد بالكامل على الصورة البصرية، بعنوان "على باب السيما"، برؤية إخراجية لعمر الموجي وإياد الموجي، وإنتاج موسيقي لباش مهند وحاتم بس بمشاركة آخرين.
يستعير في هذا العمل السينما بوصفها "عالمًا تالتًا" أو عالمًا موازيًا بحث عنه في ألبوم "عالم تالت" ووجده، باعتبارها مساحة تتيح للإنسان الخروج من أبعاد الواقع وفتح الذهن على آفاق خيالية أوسع.
على امتداد أغاني الألبوم، يظهر تناقض واضح بين كلمات تعبّر عن شخص يشعر بالراحة النفسية، مسترسل في التعبير عن نفسه عاطفيًا بوضوح ودون عوائق، غير عابئ بصعوبات التواصل بقدر اهتمامه بالإفصاح عن ذاته، وبين إنتاج موسيقي بسيط العناصر يسير في الخط نفسه بانسيابية لافتة.
في المقابل، تقدّم الصورة ناصر في دور عامل شباك تذاكر يقتحم السينما لمشاهدة الأفلام، بينما يبدو أبناء جيله في حالة انعزال أو عدم ارتياح داخل القاعة، في حين يظهر أفراد من شرائح عمرية مختلفة—أكبر أو أصغر—في حالة انسجام وارتياح أكبر مع عائلاتهم أو أحبابهم، سواء في لحظاتهم الحميمية أو حتى المزعجة.
ولا يغفل ناصر اللعب على أوتار النوستالجيا وربطها بالحاضر، مع اهتمام واضح بمتانة القالب الفني؛ إذ يستعين بمشهد صامت من مسلسل "ريفو" في نهاية كليب "على باب السيما"، كما يضمّن مقطعًا صوتيًا من حديث المخرج يوسف شاهين الشهير حول مشهد توديع الابن الشيوعي للممثل محمود المليجي في فيلم "عودة الابن الضال". كذلك يقدّم أنماطًا موسيقية قريبة من بوب التسعينات والألفينات في تراكَي "خسارة فيك" و"يا دوب"، بالتعاون مع باش مهند وحاتم بس.
لمحات من ناصر آخر تظهر بين الحين والآخر
رغم تركيز مسيرة ناصر الموسيقية حتى الآن على البعد العاطفي، فإنه يقدّم بين الحين والآخر تعاونات أو أعمالًا منفردة من زوايا مختلفة، مثل السرد الذاتي عن اليأس الحياتي أو التبجّح. ففي تراك "فكيت" بالتعاون مع كيتو، يرسّخ إصراره على المضي قدمًا نحو النجاح، معبّرًا في الوقت نفسه عن تردد صحي ناتج عن الإرهاق واليأس. ويبدو قادرًا على الموازنة بين الحالتين بفضل إجادته للغناء العاطفي، الذي يمكّنه من التعبير عن نفسه دون ابتذال أو مبالغة.
ويكرر ذلك في إصداره المنفرد "ناصر"، لكن بلمسة تبجحية وعلى ألحان قائمة على الجروف، معلنًا قتل بيرسونا ناصر القديمة. ورغم أنه لم يواصل السير على الخط نفسه حتى الآن، فإنه قدّم دليلًا واضحًا على تمكنه، سواء من حيث ضبط الإيقاع الأدائي دون ترهل، أو الموازنة بين حالات متعددة، أو حتى على مستوى الشكل الفني الخارجي؛ إذ نجح في الربط بين تحوله من شخصية طيبة إلى شخصية نفعية، وتحول شخصية ناصر الدسوقي في مسلسل "الأسطورة" الشهير لمحمد رمضان، مستعينًا بمدخلات صوتية من حوارات المسلسل.
يصف ناصر موسيقاه بأنها "حادثة" تجمع بين ما تشربه من البوب السابق وما يتعلمه من الموجة الحالية، وربما هذا ما يجعل تجربته غنية بالتفاصيل، مليئة بالإصدارات التي تحمل دماءًا جديدة. رحلة كتلك تختار جمهورها وتكبُر معه، لا يتجاهلها ولا تسقط من ذاكرته مع مرور الزمن.






