في ذاكرة موسيقى الجيل، تظل أغنية "ياشمس غيبي" واحدة من تلك العلامات البارزة المفعمة بالشحن والحنين لهذه المرحلة، أغنية تحمل توقيع استثنائي من مصطفى قمر كملحن والشاعر سامح العجمي وتوزيع صانع النجوم حميد الشاعري، ولكن الصوت الذي غناها في حد ذاته قصة لنجمة تركت الأضواء والشهرة وابتعدت عن الساحة في أوج تألقها .. هي أميرة التي مازالت معروفة بأغنية "ياشمس غيبي".
اكتشاف بالصدفة… أم محاولات فاشلة
اسمها الحقيقي حنان زكريا، ولكن اسم الشهرة الذي عرفه بها الجمهور هو "أميرة"، و وراء بداية أميرة هناك عدة قصص، أكثرها دقة أنها بدأت مسيرتها من كورال الأوبرا المصرية بعد أن درست الموسيقى في الكونسرفتوار.
في كورال الأوبرا شاهدها الموسيقار وعازف الدرامز الشهير يحيى خليل والذي كان يخطط لاكتشاف أصوات جديدة في نهاية الثمانينيات وذلك بعد اشتعال الخلافات بينه وبين شريكه محمد منير.
المفارقة أن خليل في هذه الفترة سعى لاكتشاف مصطفى قمر، ولكن التجربة لم تنجح وانتهت بخلافات قانونية، فقدم سبعة أصوات نسائية دفعة واحدة في ألبوم يحمل اسم "البنات"، واختار الأصوات المشاركة فيه من الأوبرا، والفرق المستقلة، ورشح حنان زكريا للمشاركة فيه ومنحها اسم الشهرة "أميرة" وهو في الأساس اسم جدتها مطربة الأوبرا الشهيرة أميرة كامل.
صدر الألبوم عام 1989 ولكنه لم يحقق أي نجاح، واختفت كل المطربات اللاتي غنين فيه عدا أميرة التي غنت فيه أغنية بعنوان "لما بحب" .
من الفشل إلى النجاح مع حميد الشاعري
في صيف 1991، حين كان حميد الشاعري يعمل على ألبومه الشهير "كواحل" في ستوديو M–Sound بمصر الجديدة. هناك، كان يجري تسجيل أغنية "وينك" التي كتبها أشرف السرخوجلي. روي السرخوجلي لي في لقاء سابق اللحظة التي غيّرت كل شيء: "سمعت الأغنية بعد التسجيل… توقف صوت حميد في البداية، وفجأة ظهر صوت فتاة لم أسمع رقة وعذوبة مثلهما من قبل." هذه الفتاة هي أميرة.
فتح حميد الشاعري أبواب النجاح والأمل أمام أميرة بعد أن غنت معه في ألبوم "كواحل"، كان لديه الخلطة التي ستصنع منها نجمة بعد أن فشل يحيى خليل في تقديمها، وبالفعل عرفها الشاعري على المنتج طارق عبد الله لتشارك في ألبوم "هاي كواليتي" بأغنيتين هما "ليلى" و "غير قلبك".
هنا بدأ صوت أميرة يفرض نفسه على الساحة: تميّز، طزاجة، وملمس مختلف تمامًا عن الأصوات النسائية التي كانت تستنزفها الألبومات المشتركة "شرائط الكوكتيل" المنتشرة حينها.
دويتوهات مع أهم النجوم
ثم جاء تعاونها مع علاء عبد الخالق في أغنية "بحبك باستمرار"، والتي أصبحت علامة فارقة في مشوارهما معًا. هذا النجاح جعل أميرة مرشحة طبيعية للدويتوهات… فكان أبرزها: "سحر المغنى" مع محمد منير في ألبوم "الطول واللون والحرية"، بل إن منير اختارها لتغني معه أغنية "وسط الدايرة" التي قدماها في افتتاح دورة ألعاب البحر المتوسط ببرشلونة عام 1992، كما غنت مع حميد الشاعري دويتو آخر بعنوان "زي الطيور".
كان واضحًا أن أميرة ليست مجرد صوت عابر، بل مشروع نجمة جاهزة للانطلاق، يسعى الجميع لمشاركتها الدويتوهات، ويتحمس لها المنتجون الذين وجدوا فيها مشروع أهم صوت نسائي في مطلع التسعينيات.
ألبوم واحد… ولكن!
أصدرت أميرة ألبومها الأول والوحيد "أول كلامي" عام 1993. ألبوم بدا وكأنه بداية مشروع طويل، لا بداية لرحلة قصيرة. فقد جمع أسماء في الصناعة يصعب أن تتكرر في عمل واحد: على مستوى الشعراء شهد أسماء مثل عادل عمر، هاني الصغير، سامح العجمي، مصطفى زكي، ومفاجأة ظهور اسم مصطفى كامل في بداياته.
وفي التلحين حدث ولا حرج: مصطفى قمر، أشرف السرخوجلي، حميد الشاعري، ومحسن طاهر إضافة إلى أغنيتين من ألحان ناصر المزداوي، ومنها "زي الطيور" التي شارك فيها حميد بالغناء.
ونجحت أغنية "ياشمس غيبي" نجاحًا مدويًا، وصورتها فيديو كليب ساهم في انتشارها أكبر على المستوى العربي.
ألبوم ثري، مُتقن، ومختلف… جعل التوقعات تحيط أميرة من كل اتجاه ، ولكن ماذا حدث؟!
اعتزال مفاجيء !
بعد نجاحات متتالية، وتهافت المنتجين لإقناعها بالاستمرار، اتجهت الرحلة في مسار غير متوقع.
منتصف التسعينيات… اختفت أميرة فجأة. توقفت عن التسجيل، وابتعدت عن الأستوديوهات. حاول حميد وآخرون إعادتها، لكن دون جدوى.
ثم جاء القرار الذي أغلق الصفحة تمامًا: سافرت أميرة إلى كندا ولم تعد.
اختفت كما ظهرت… فجأة، وبلا ضجيج ، وأثيرت حولها الشائعات لكنها لم ترد، عرف الناس فيما بعد أنها تزوجت هناك وعاشت حياة هادئة مستقرة، حتى حينما كانت تزور مصر من وقت لآخر كانت حريصة على عدم الظهور الإعلامي أو حتى التواصل مع الوسط الفني.
ربما لم تُصدر أميرة سوى ألبوم واحد، وربما تبدو تجربتها قصيرة، لكنها من تلك الأصوات التي بقيت رغم الغياب. يكفي أن تسمع "يا شمس غيبي" أو "زي الطيور" أو دويتوها مع منير، لتدرك أنك أمام موهبة كان من الممكن أن تكون أحد أهم الأصوات النسائية في التسعينيات… لو فقط اختارت البقاء.






