يُعدّ راشد الماجد أحد الأعمدة الأساسية في تاريخ الأغنية الخليجية الحديثة، وصوتًا شكّل وجدان أجيال متعاقبة بقدرته الفريدة على الجمع بين الرومانسية العميقة، والذائقة الشعبية، والتجديد الموسيقي المدروس. على امتداد مسيرته، قدّم أعمالًا تجاوزت زمنها وتحولت إلى علامات فارقة في مسيرته الشخصية ومسار البوب الخليجي.
فريق بيلبورد عربية قرر مع عودته إلى المسارح مرة أخرى أن يستعرض مجموعة مختارة من أغنياته التي شكّلت محطات مؤثرة، من زوايا متعددة كتبها فريق لتكشف كيف استطاع راشد الماجد أن يحافظ على حضوره، ويعيد تعريف الأغنية الخليجية بين الحنين والتجدد، وبين العاطفة الصادقة والبناء الموسيقي المتقن.
مشكلني
23 عامًا مرت على إصدارها ولا زالت "مشكلني" رقمًا صعبًا في معادلة البوب الخليجي والعربي، غيرت الأغنية التلقي الشخصي لي للموسيقى الخليجية بشكل كامل. وكما قال كاتبها إبراهيم جمعة في حوار مع أحد صانعي المحتوى على منصة تيك توك "أي تراث ناجح، اذا انت شاطر تعرف كيف تستعمل المصطلحات". نقطة قوة الأغنية أنها كتبت للحن الموسيقي لا العكس، ولذلك ركزت بشكل أكبر على الجانب الشكلاني الموسيقي.
سواء في جملة الكورس الرنانة، أو اعتماد الجمل الشعبية البسيطة. حتى أن جملة "ابعد عن الشر وغنيله" اقتبسها الشاعر من واجهة إحدى السيارات، وكانت من الجمل التي يكتبها الناس اتقائًا لشرور الحاسدين. تميز التوزيع بالمزاوجة بين الآلات الشعبية الخليجية وأهمها المزمار والآلات العالمية مثل الشخشيخة. وهي من كلمات إبراهيم جمعة وألحان حسين الجسمي وتوزيع سيروس.
أود في السنوات القادمة أن أجدها في المزيد من الإعلانات الخاصة بالعلامات التجارية العالمية بالتعاونات الخليجية والسعودية وفي المزيد من العينات الصوتية لأغاني حديثة خاصة من جنرا الهيب هوب. *من اختيارات يوسف علي
الغرقان مع حسين الجسمي
شكل تعاون راشد الماجد وحسين الجسمي في أغنية "الغرقان" واحدة من المحطات المميزة في مسيرة كلا منهما، وهو تعاون ظل حيًا في الذاكرة الجماهيرية بدليل حرص الفنانين على تقديم الأغنية مرارًا في الحفلات والجلسات الموسيقية حتى اليوم.
صدرت الأغنية عام 2009 وهي من كلمات الشيخ محمد بن سلطان آل نهيان وألحان وليد الشامي. ورغم أن مشروع تصويرها على هيئة فيديو كليب لم يكتمل، فإن ذلك لم يُضعف من حضورها بل حققت نجاحًا جماهيريًا لافتًا تجاوز 75 مليون مشاهدة على يوتيوب منذ طرحها فضلًا عن انتشارها الواسع في سوق الكاسيت وعلى موجات الإذاعة في ذلك الوقت.
على المستوى الموضوعي تطرح الأغنية ثيمة عذابات الحب من زاوية الاستسلام الكامل للمشاعر، إذ تصور حبيبًا غارقًا في وجدانه عاجزًا عن الفكاك من حالة التعلق حتى بعد الفراق. فالقلب يظل معلقًا بالآخر، ويستمر الشوق كحالة دائمة تُعبر عنها الكلمات بلغة مباشرة ومشحونة بالعاطفة.
موسيقيًا تمزج "الغرقان" بين الروح الخليجية التقليدية ولمسات أكثر عصرية في التوزيع مما منحها طابعًا زمنيًا مرنًا تجاوز لحظة صدورها. وجاء الأداء الصوتي لراشد الماجد وحسين الجسمي متوازنًا ومتكاملًا حيث التقت خبرة الأول مع حساسية الثاني في توليفة متناغمة أضفت على الأغنية عمقًا شعوريًا خاصًا، وأسهمت في ترسيخها كأحد أبرز الدويتوهات الخليجية في الألفية. * من اختيارات نورهان أبوزيد
نسيناكم
تُعد أغنية "نسيناكم" واحدة من أكثر الأعمال الحزينة التي قدمها راشد الماجد عمقًا وتأثيرًا، صدرت عام 2005 من كلمات شاعر المملكة وألحان أحمد الهرمي ورغم أن العنوان يوحي بفكرة النسيان، فإن الأغنية في جوهرها محملة بمشاعر ثقيلة، تتجاوز الفقد العاطفي التقليدي لتلامس خيبات التغير والانفصال الإنساني سواء كان الطرف الآخر حبيبًا، أو صديقًا أو حتى دائرة مقربة من الحياة.
يقدم راشد أداء بالغ الصدق مثقلًا بالهموم، تتجلى فيه مرارة الخذلان حتى وهو يتحدث عن النسيان كخيار اضطراري. فلا يأتي النسيان هنا بوصفه شفاء بل كقرار قاس لا رجعة فيه، يتجلى بوضوح في الجملة الحاسمة:"مادام إنتوا تغيرتوا بعد حنا تغيرنا / ولا به شي يرجعنا خلاص اليوم نسيناكم"حيث يُغلق الباب نهائيًا دون مواربة في واحدة من أكثر لحظات الأغنية قوة وتأثيرًا.
موسيقيًا لا تقل الفواصل الموسيقية أهمية عن النص والأداء إذ جاءت محملة بوتريات بديعة تُشبع الذائقة السمعية وتُعمق الإحساس بالحزن، لتشكل امتدادًا شعوريًا للصوت لا مجرد خلفية له. ومع تلاقي الأداء الحزين الصادق لراشد مع الهوية البصرية المصاحبة التي اعتمدت على مشاهد الوحدة والانكسار، رسخت "نسيناكم" حضورها في الذاكرة، لتبقى رغم مرور السنوات واحدة من الأغنيات التي تُستعاد كلما طُرحت فكرة الفقد والتغير بصيغتهما الأكثر قسوة.* من اختيارات نورهان أبوزيد
العيون
بعد النجاح اللافت الذي حققه راشد الماجد بأغنية "مشكلني" عاد في العام التالي ليقدم أغنية "العيون" عام 2003 ضمن ألبوم "الهدايا" في خطوة أكدت استمرارية حضوره وقدرته على التنويع دون التفريط في هويته الغنائية. جاءت الأغنية من كلمات غازي السعدي وألحان مهند حسن وتوزيع شاكر حسن، لتقدم نموذجًا مكتمل العناصر للأغنية الخليجية الرومانسية في تلك المرحلة.
يستهل راشد الأغنية بالويل كمدخل طربي يمهد للحالة الشعورية قبل أن ينطلق في الغناء متغزلًا بعيون المحبوبة، ثم يستطرد بلغة عاطفية دافئة يطلب فيها دلالها ويعبر عن استعداده لإهدائها كل ما تشاء. على مستوى البناء الموسيقي جاءت الأغنية شديدة الرقة والعذوبة مع اعتماد واضح على الإيقاعات الخليجية الممزوجة بالوتريات وسقفة إيقاعية مميزة منحت العمل حيوية خاصة دون الإخلال بمزاجه الرومانسي الذي قدمته.* من اختيارات نورهان أبوزيد
وحشتيني
صدرت “وحشتيني” عام 1996، وكانت لحظة انعطاف هادئة، ليبلغ معها إلى النقطة الأكثر رومانسية في مسيرته. الأغنية من كلمات بدر المليحي ولحنها راشد الماجد بنفسه، ومن توزيع يحيى الموجي. ورغم مرور 30 سنة على إصدارها لاتزال الأغنية تحتفظ ببريقها، فهي بلا شك واحدة من العلامات الفارقة في مسيرة راشد الماجد.
ما بين الوتريات الدافئة والإيقاع الهادئ، يأتي صوت راشد الماجد هنا في طبقة أكثر رقة وعذوبة من المُعتاد. الغناء هنا مُكاشفة أو اعتراف، من عاشق مُتردد يرغب بالبوح ويخشى رد الفعل، إذ يفترض أن الطرف الآخر لا يكترث. وما بين العتب والأسف تدور الكلمات وكأنها تداعي حر للمشاعر؛ التي عرف راشد الماجد كيف يترجمها بلحن يُرغمك على التعاطف، وجاء التوزيع الموسيقي الأوركسترالي ليُضفي طبقة مخملية على الأغنية تُفخّم الإحساس. *من اختيارات عمر بقبوق
ويلو
تأتي هذه الأغنية لراشد الماجد من كلمات أحمد علوي بروح خفيفة وظريفة، تقوم على المبالغة المقصودة في التعبير عن الحب. فتكرار "ويله" هنا ليست تهديدًا بقدر ما تعبير عن الغيرة والتملّك.
الأغنية تسرد سلسلة من الاحتمالات اليومية البسيطة، لكنها تتعامل معها وكأنها كوارث كبرى: نظرة، ضحكة، أو حتى صمت. هذا التضخيم المتعمّد هو مصدر الطرافة، إذ يبدو العاشق واعيًا بضعفه، لكنه مستمر فيه دون مقاومة.
ما يزيد خفة الأغنية هو التناقض بين الكلمات المشحونة بالعاطفة والأداء الهادئ، وكأن المتحدث يبالغ وهو يبتسم. كما تلعب الألحان الطريفة من سلمان حربان وتوزيع سيروس بعدًا طريفًا آخر لها. *من اختيارات سارة وائل
اللي لقى أحبابه
ليست "اللي لقى أحبابه" بغريبة عن حفلات راشد الماجد، فهي تعتبر من مفضّلات جمهوره. قد تبدو الأغنية درامية من عنوانها، وكأنها شارة مسلسل تفتتح مشاهدًا عاطفية قويّة وطويلة، وهو أسلوب عُرف به راشد الماجد عبر مسيرته. من اختيارات سارة وائل
تصوّر الأغنية حالة عاطفية صادقة، بكلمات بسيطة وإحساس كبير، مما يمنحها طابعًا مسرحيًا لحد ما. هذا المزيج بين البساطة والدراما هو ما يجعلها قريبة إلى القلب، كما أنها تعتمد على أسلوب وألحان تُعيد المستمع لفترة قديمة، فتحمل شعورًا واضحًا بالحنين لتتحوّل في الحفلات إلى لحظة جماعية مليئة بالذكريات.






