ما زال سؤال كيف تتحوّل أغنية إلى “هيت”؟ ومتى؟ واحدًا من أكثر ألغاز المشهد الموسيقي استعصاءً، من المحيط إلى الخليج. في عصر الخوارزميات والترندات السريعة، لم يعد النجاح مرتبطًا بلحظة الإصدار، ولا حتى بالجمهور الذي كُتبت من أجله الأغنية. أحيانًا، يأتي الجواب من مكان لم يكن في الحسبان أصلًا.
في حالة فليبراتشي، لم يبدأ اللغز من حملة ترويجية مدروسة أو يرتبط بتوقيت الإصدار، بل من صباحٍ عادي استيقظ فيه الرابر البحريني ليكتشف أن أغنيته "فصلة" ، الصادرة قبل أكثر من عام ونصف ، أصبحت ترندًا واسعًا في الهند، بعد استخدامها في فيلم Dhurandhar، حيث رقص عليها النجم البوليوودي أكشاي خانا، لتنطلق بعدها موجة رقص أعاد تمثيلها الملايين.
يستعيد فليبراتشي تلك اللحظة بدهشة صادقة: "الصراحة، أنا تفاجأت أول مرة يوم شفتها بتضرب على السوشال ميديا… أنا ما كنت أعرف أصلًا وفريقي هما اللي ظبطوا الأمور".
لم يكن هناك سعي مسبق لوضع الأغنية داخل الفيلم، ولا محاولة لاختراق سوق جديد. كل ما حدث ، كما يروي ، جاء "بشكل طبيعي"، حين تواصل فريق العمل الهندي مع فريقه بعد أشهر طويلة من إصدار الأغنية، لأنهم وجدوا في صوتها وإيقاعها ما يخدم مشهدًا سينمائيًا محددًا.
لكن "فصلة" ليست نقطة بداية في حكاية فليبراتشي، ولن تكون ذروتها أو نهايتها. هي، في أفضل توصيف، محطة غير متوقعة في مسار طويل بدأ قبل أكثر من خمسة عشر عامًا، حين اختار شاب بحريني أن يرفع راية الراب في مشهد خليجي محدود الجمهور، قليل المنصات، ومليء بالشكوك.
منذ عام 2009، سجّل فليبراتشي عشرات الأغاني التي حصدت ملايين المشاهدات، وأسهمت في ترسيخ فكرة أن الراب الخليجي قادر على الوصول، حتى مع جمهور أصغر. أغنية "إي لا" ، الصادرة قبل نحو عشر سنوات بالتعاون مع دافي، شكّلت لحظة فارقة في الوعي الجماعي للمشهد، حين أثبتت أن اللهجة المحلية ليست عائقًا أمام الانتشار، بل قد تكون عنصر قوة حين تُقدَّم بثقة وهوية واضحة.
في تلك البدايات، كان الراب بصيغته التقليدية، التي باتت تُعرف اليوم بـ "الأولد سكول" ، هو الصوت المسيطر. ومع مرور السنوات، تغيّر شكل الهيب هوب عالميًا، وتفرّع إلى عشرات الجنرات الفرعية والتأثيرات الثانوية. وبينما ظل قلب فليبراتشي معلقًا بجوهر الراب القديم، وجد طريقه لتطويع هذا التطوّر لصالحه، وبناء مشروع يحمل بصمته الخاصة.
ارتكز هذا المشروع، تدريجيًا، على دمج الإيقاعات الخليجية والعربية داخل بنية الراب. في "إي لا"، استند إلى إيقاع المراويس البحريني، بينما حمل تراك "لا يوقف" إيقاع الخبيتي السعودي. في "شوفها"، امتزج صوت الطبلة الكويتية مع فانك برازيلي، فيما سمعنا الإيقاع الشعبي المصري في "علي ع المزيكا"، والإيقاع المغربي في "نايضة". لم يكن هذا الدمج محاولة تجريبية عابرة، بل مسارًا واعيًا لبناء هوية صوتية لا تنفصل عن البيئة التي جاء منها.
ورغم هذا التاريخ الطويل، بقي حضور فليبراتشي محكومًا بالموسيقى فقط. خمسة عشر عامًا من النجومية لم تدفعه يومًا لكشف تفاصيل حياته الشخصية، أو تحويلها إلى مادة عامة. حتى لقاؤه مع بيلبورد عربية جاء مشروطًا بابتسامة صريحة: "أنتم لديكم إذن خاص".
خلف صورة الرابر الصلب، يكشف اللقاء عن وجه آخر أقل صخبًا وأكثر دفئًا: الأب، الزوج، ورجل العائلة. يتحدث فليبراتشي بتأثر عن تجربة الأبوة للمرة الثانية، وعن وعي جديد بالمسؤولية والحضور. "الحياة مع الأطفال تبدو كأفعوانية… لكنها تعطيك فرصة لتكون أبًا، وأن تعيش الحنان مرة أخرى"، يقولها بهدوء لا يشبه إيقاع أغانيه الراقصة.
وحين يصل الحديث إلى زوجته نجوان، تتغيّر النبرة بالكامل. لا يتحدث عن دعم عابر، بل عن شراكة حقيقية: "الشي الوحيد اللي الرجل يحتاجه بصراحة هو الاحترام والدعم النفسي. هي بتقدر الشغل اللي بسويه وبتعطيني إيجابيه إن كل شي حيكون تمام. أحيانًا الواحد يحتاج هذي الكلمات. يحتاج يعرف إن هو لما يسوي شي.. يتقدر". في عالم موسيقي سريع الاستهلاك، يبدو هذا الاعتراف جزءًا من التوازن الذي حمى مسيرته ودفعه للاستمرار.
وعند العودة إلى سؤال "الترند" مرة أخرى، لا يمنح فليبراتشي الفكرة أكثر مما تستحق. لا يحتفي بها، ولا يقلل من قيمتها، بل يتعامل معها بتصالح لافت. منذ اليوم الأول، كما يشرح، كان همه الأساسي صناعة الصوت الذي يشبهه: الإيقاع، الفلو، واللغة التي تنتمي لبيئته. يصنع الراب لنفسه أولًا، ثم يتركه يجد طريقه إلى الناس دون إلحاح.
"أحيانًا أحس روحي إني لازم أفرغ بعض الاشيا اللي داخي حاسس إني لازم أسويها. فأنا ما أقيّد نفسي بالأرقام… ماعندي مشكلة أحيانًا أصنع الفن من أجل الفن"، يقولها كخلاصة لمسيرته. وبين الهيب هوب الخالص، والأغاني التجارية، والخليط الخليجي - العالمي، حافظ فليبراتشي على قاعدة واحدة: أن تكون كل أغنية قابلة للتعرّف عليه من ثوانيها الأولى.
ربما لهذا السبب، لم يكن وصول "فصلة" إلى الهند إنجازًا منفردًا، بل امتدادًا طبيعيًا لمسيرة طويلة بُنيت على الصبر، والهوية، وعدم اللهاث خلف اللحظة. ففي عالم تتغيّر فيه الترندات كل بضعة أسابيع، ينشغل فليبراتشي في صناعة الإيقاعات والفلوهات وأسلوب الكتابة الذي يشبهه.. يصنع الراب لنفسه أولًا.. ثم يترك هذا الشغف العميق ليجد طريقه إلى الناس بلا إلحاح. وهكذا.. يصنع هو استمراريته لأكثر من 15 عامًا.. الهيت تلو الآخر كل بضعة سنوات.. بلا تعجل.. بل بهدوء وثبات.

