في مشهد موسيقي يتسارع فيه الإنتاج اختار عبد الوهاب أن يسلك طريقًا أكثر هدوءًا، قائمًا على التدرج وبناء الهوية قبل كثافة الحضور. من إصداراته الأولى وصولًا إلى ألبومه القصير تبدو رحلته وكأنها سردية متماسكة لفنان يعرف جيدًا ما يريد قوله وكيف يقوله. هذه المسيرة رغم قصرها تحمل ملامح تطور محسوب يضعه اليوم أمام خطوة تبدو الأكثر اكتمالًا في مشروعه الفني.
قبل نحو أسبوعين أصدر عبد الوهاب أول ألبوماته القصيرة بعنوان "عبد الوهاب 2026" والذي يضم ست أغنيات بتعاونات مع نخبة من الشعراء والملحنين، من بينهم قوس ومزيد وشامخ وراكان وياسر بو علي. ويبدو هذا العمل بمثابة امتداد منطقي لمسيرته الفنية التي انطلقت عام 2021، حيث تتبلور ملامح مشروعه تدريجيًا عبر صوته الدافئ وإحساسه العالي وهما عنصران شكلا الركيزة الأساسية في هذا الإصدار
عبد الوهاب يقدم تجربة سمعية متميزة في أولى ألبوماته
تحمل أغنية "مو تمام" -من الألبوم الجديد- من كلمات العالية وألحان ياسر بو علي وتوزيع خالد عز، ملامح واضحة لهذا التوجه إذ تتناول حالة حزن ناتجة عن فراق حبيب لا يزال يحتفظ له بمشاعر الحب. ويُحسن عبد الوهاب توظيف نعومة صوته وهدوء أدائه في تجسيد هذه الحالة الشعورية، على إيقاعات خليجية رصينة، بينما يضفي كورال مجموعة SYNC بعدًا صوتيًا متناغمًا ويتكرر حضوره في أكثر من عمل داخل الألبوم مما يعكس وعيًا واضحًا ببناء هوية سمعية متماسكة.
ومن بين المحطات اللافتة أيضًا أغنية "الفصول الأربعة" من كلمات ود وألحان ياسر بو علي وتوزيع هشام السكران، والتي تعيد طرح ثيمة الحب الصادق في زمن الأقنعة، وهي فكرة مألوفة من حيث الطرح لكنها تكتسب طابعًا مختلفًا بفضل المعالجة الموسيقية. إذ يستلهم التوزيع من إيقاعات الريغي، مع حضور بارز للآلات النفخية إلى جانب الجيتارات والبيانو خصوصًا في الفواصل الموسيقية، في تجربة تعد جديدة نسبيًا على عبد الوهاب وتكشف عن رغبته في توسيع أفقه الصوتي دون القطيعة مع جذوره.
بشكل عام يحاول عبد الوهاب عبر هذا الألبوم تقديم تنويعات موسيقية متعددة، مع الحفاظ على الروح الخليجية التي تميز هويته الفنية. ورغم أن الألبوم يتحرك في إطار العلاقات العاطفية، إلا أن تنوعه السمعي إلى جانب حسن اختيار النصوص، يمنح التجربة توازنًا لافتًا ويجعلها قادرة على الوصول إلى المستمع دون افتعال.
خطوات أولى في مسيرة واعدة
يبدو هذا الألبوم بمثابة تتويج طبيعي لمسيرة عبد الوهاب القصيرة نسبيًا، والتي انطلقت عام 2021 بأغنية"مبدأ" من كلمات حنان وألحان راكان وتوزيع زيد نديم. منذ تلك البداية قدم نفسه بهدوء لافت عبر عمل يرتكز على إيقاعات إلكترونية حديثة، في مقاربة بدت مختلفة عن السائد خاصة مع طرحه المصاحب لفيديو كليب بسيط أقرب إلى بيان تقديمي رصين. هذا الهدوء لم يكن ضعفًا بقدر ما كان مؤشرًا مبكرًا على فنان يراهن على العذوبة والبساطة، مع قدرة على المزج بين الطابع الخليجي واللمسة العصرية.
لاحقًا واصل عبد الوهاب حضوره من خلال الأغاني المنفردة، وإن كان بوتيرة متباعدة نسبيًا وهو خيار قد يُقرأ كحرص على الانتقائية أكثر من كونه تراجعًا في الإنتاج. ففي عام 2022 طرح 4 أغنيات -من بينها العمل الوطني "سنا مجده" بمشاركة الفنان تركي الصالح- إلى جانب أغنية "لحظة وحده" التي حملت طابعًا رومانسيًا رقيقًا من كلمات محمد الغرير وألحان عبد الإله ناصر وتوزيع هشام السكران. في هذه المرحلة، بدا واضحًا ميله إلى ترسيخ صورته كصوت عاطفي هادئ يركز على الإحساس أكثر من الاستعراض.
أما في عام 2023 فقد اكتفى بإصدار عملين فقط: "يلا احلف"و"أبغاني". طغى الحزن على الأولى بينما تمحورت الثانية حول الشوق لكن بطرح أكثر شاعرية وخصوصية، إذ يخاطب فيها حبيبته بوصفها امتدادًا لذاته، أو انعكاسًا لروحه. وقد حملت كلمات "أبغاني" التي كتبها ود بعدًا بلاغيًا لافتًا عززه لحن راكان، فيما جاء الفيديو كليب المصاحب بإخراج مصعب أحمد بسيطًا ومباشرًا، يركز على الأداء والإحساس وهو ما يتماشى مع خطه الفني العام.
وفي عام 2024 اكتفى عبد الوهاب بإصدار أغنية واحدة بعنوان "لو انكسرت" من كلمات عبد اللطيف آل الشيخ، وألحان عبد القادر الأحمد، وتوزيع هشام السكران. وقد طغت الوتريات على البناء الموسيقي للعمل مانحة إياه طابعًا دراميًا أكثر عمقا فيما جاء الطرح مختلفًا نسبيًا على مستوى الفكرة، إذ تدور الأغنية حول الاعتراف بخطأ اختيار الحبيبة لكن من دون نبرة ندم تقليدية بل باعتراف نابع من قوة داخلية وإدراك واضح لقيمة الذات.
هذا التحول في الطرح انعكس أيضًا على الأداء حيث بدا عبد الوهاب أكثر نضجًا واتزانًا سواء في اختياراته أو في طريقة تقديمه للمشاعر. ومن هنا يمكن قراءة هذا الإصدار كمرحلة انتقالية مهمة، مهدت لما بعده إذ يبدو أنه فضل بعدها التوقف عن طرح الأغاني المنفردة والتركيز بشكل أكبر على بناء مشروع الألبوم، لتكون "لو انكسرت" بمثابة آخر إصداراته الفردية قبل هذه الخطوة المفصلية.
بهذا التراكم التدريجي يبدو أن عبد الوهاب لم يكن يسعى إلى الحضور الكثيف بقدر ما كان يعمل على بناء هوية صوتية واضحة، وهو ما يجعل الألبوم الجديد نتيجة منطقية لهذا المسار المتأني والواعد كصوت صاعد في الساحة السعودية بهدوء وثبات.






