في عالم البوب، لا تكفي الأغاني وحدها لصناعة الأساطير. أحيانًا، ما يبقى في الذاكرة أكثر من الألبومات والجوائز، بل القصص التي صنعهتا وكانت خلف نجومها.
هكذا كانت العلاقة بين ليدي غاغا ومادونا: خليط من المقارنات، والتصريحات المبطّنة، والرسائل غير المباشرة، ثم لاحقًا… صور عناق وتعليقات ودّية بدت وكأنها جاءت بعد حرب طويلة لم يُعلن عنها رسميًا يومًا، لكنها كانت مرئية للجميع.
وعلى امتداد أكثر من عقد، تحوّلت هذه العلاقة من واحدة من أكثر "خصومات البوب" تداولًا، إلى مثال كلاسيكي على الطريقة التي يصنع بها الإعلام والجمهور أحيانًا توترًا بين امرأتين ناجحتين، ثم يراقبان اشتعاله بشغف.
كل شيء بدأ مع "Born This Way"
في عام 2011، أطلقت غاغا أغنيتها "Born This Way"، وعد وقت قصير من صدورها، بدأ كثيرون يقارنونها بأغنية مادونا الشهيرة "Express Yourself" الصادرة عام 1989.
التشابه، بالنسبة إلى كثيرين، لم يكن بسيطًا. اللحن، البناء، وحتى الروح العامة، بدت متقاربة بما يكفي ليفتح بابًا واسعًا من النقاش: هل كانت غاغا تحتفي بإرث مادونا؟ أم تقترب منه أكثر مما ينبغي؟
غاغا لم تلتزم الصمت طويلًا. وفي واحدة من أكثر ردودها حدة في تلك المرحلة، رفضت تمامًا فكرة السرقة، وقالت إنها ليست "غبية" إلى درجة أن تسرق لحنًا بهذه الوضوح، مضيفة أن ما وُصف بالتشابه ليس سوى تقدّم لحني استُخدم في موسيقى الديسكو منذ عقود. كان ذلك أول دفاع علني، لكنه لم يكن آخر فصل في القصة.
مادونا لم تترك الأمر يمر
في العام التالي، دخلت مادونا إلى المشهد بنفسها. لم يكن تصريحها طويلًا، لكنه كان كافيًا ليصبح عنوانًا. وصفت "Born This Way" بأنها "مُبسّطة بشكل مفرط" — أو "reductive" — وهي كلمة ستتحول لاحقًا إلى واحدة من أكثر الكلمات التصاقًا بتاريخ الخلاف بينهما.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرّد تشابه بين أغنيتين، بل صار سردية كاملة: "مادونا الأصل" في مواجهة "غاغا الوريثة"، أو وفقًا لبعض القراءات الأقل لطفًا، "النسخة الجديدة".
حين انتقل الخلاف إلى المسرح
لم تتوقف الإشارات عند المقابلات. ففي إحدى أكثر اللحظات وضوحًا، قدّمت مادونا خلال جولتها "MDNA Tour" مزيجًا بين "Express Yourself" و"Born This Way"، في خطوة فهمها الجميع تقريبًا على أنها تعليق مباشر، لا يحتاج إلى شرح.
وفي محطة أخرى من الجولة، وجّهت أيضًا ملاحظة علنية إلى غاغا، قائلة إنها دعتها للصعود إلى المسرح معها، لكنها رفضت.
ثم في عام 2015، حاولت مادونا للمرة الأولى تهدئة المشهد، وقالت بوضوح إن اعتراضها لم يكن نابعًا من خوف على "عرشها"، بل فقط من شعورها بأن إحدى أغانيها قد استُخدمت بطريقة مباشرة أكثر مما يجب. وفي الوقت نفسه، لم تنكر موهبة غاغا، بل وصفتها بأنها مغنية وكاتبة أغاني موهوبة جدًا.
بعد أشهر فقط، ظهرت الاثنتان معًا في Met Gala إلى جانب Katy Perry، في صورة بدت للكثيرين كأنها بداية نهاية الخلاف، أو على الأقل استراحة قصيرة من توتر استمر سنوات.
لكن غاغا، من جهتها، لم تكن مستعدة بعد لإغلاق الملف بالكامل.
"نحن مختلفتان جدًا"
في 2016، وقبل إصدار ألبوم "Joanne"، تحدثت غاغا بصراحة عن المقارنات بينها وبين مادونا، وقالت جملة بدت وكأنها خلاصة موقفها كله: "مادونا وأنا مختلفتان جدًا."
لم يكن ذلك مجرد دفاع عن نفسها، بل محاولة لفصل هويتها الفنية عن المقارنة المستمرة التي لاحقتها منذ بداياتها. تحدثت عن عزفها، وكتابتها، وإنتاجها، وعن الطريقة التي ترى بها نفسها كفنانة تصنع عالمها الخاص، لا كامتداد لأحد.
وبعد عام، في وثائقي "Gaga: Five Foot Two"، ذهبت أبعد من ذلك. قالت إنها لو كانت تملك مشكلة مع شخص ما، لقالتها في وجهه مباشرة، ملمّحة إلى أن ما أزعجها فعلًا لم يكن النقد نفسه، بل أن يأتي عبر الإعلام بدلًا من المواجهة المباشرة.
حتى الجمل العفوية أصبحت مادة للحرب
في 2018، عاد التوتر إلى الواجهة بطريقة تكاد تكون عبثية. خلال جولة الترويج لفيلم "A Star Is Born"، كررت غاغا أكثر من مرة عبارتها الشهيرة: "قد يكون هناك 100 شخص في الغرفة، و99 لا يؤمنون بك، لكنك تحتاج فقط إلى شخص واحد."
الإنترنت فعل ما يفعله دائمًا: التقط العبارة، سخر منها، ثم فجأة… دخلت مادونا إلى الخط من جديد، عندما نشرت مقطعًا قديمًا لها من عام 1989 تقول فيه شيئًا قريبًا جدًا في المعنى.
هل كانت تسخر؟ هل كانت تلمّح؟ أم كان الأمر مجرد مصادفة تحوّلت إلى حدث لأن الجمهور أراد ذلك؟ ربما لن نعرف أبدًا. لكن المؤكد أن العلاقة بين الاثنتين كانت قد أصبحت، في هذه المرحلة، قصة يشارك الجمهور نفسه في كتابتها.
ثم جاء الأوسكار… وانتهى كل شيء
في 2019، وبعد فوز غاغا بأول أوسكار لها عن أغنية "Shallow"، ظهرت في صورة مع مادونا خلال الحفل السنوي الذي تقيمه الأخيرة بعد الأوسكار. الصورة كانت حميمية بشكل لا يترك مساحة كبيرة للتأويل: عناق، ابتسامة، وملامح تقول ببساطة إن هذه الحرب لم تعد قائمة.
لاحقًا، أكدت مادونا بنفسها الفكرة في مقابلة مع British Vogue، عندما قالت إن الناس تحمّسوا كثيرًا لفكرة أنها وغاغا "عدوتان"، بينما هما في الحقيقة لم تكونا كذلك أصلًا.
كانت تلك لحظة مهمّة، ليس فقط لأنها وضعت حدًا لخلاف قديم، بل لأنها أعادت تسمية ما حدث: ربما لم يكن الأمر "عداوة" بقدر ما كان قصة صُنعت حول امرأتين ناجحتين، لأن فكرة المنافسة بين النساء لا تزال، للأسف، أكثر جاذبية لدى الجمهور من فكرة الاحترام المتبادل.
من الخصومة إلى الإلهام
في السنوات الأخيرة، لم تعد العلاقة بينهما تُقرأ من زاوية التوتر، بل من زاوية الإرث.
في 2023، تركت غاغا تعليقًا لطيفًا على فيديو لمادونا عبر تيك توك، كتبت فيه ببساطة: "We love you M."
ثم في 2025، خلال تسلّمها جائزة "Innovator Award"، ذكرت غاغا اسم مادونا ضمن قائمة الفنانين الذين ألهموها، في اعتراف بدا بسيطًا، لكنه يحمل الكثير من الدلالة إذا ما تذكرنا من أين بدأت القصة.
وهنا ربما تكمن المفارقة الأجمل في هذه العلاقة: أن واحدة من أشهر "خصومات البوب" في العصر الحديث، انتهت بأن اعترفت كل واحدة، بطريقتها، بمكانة الأخرى.
ترجمت بتصرف عن موقع بيلبورد






