للوهلة الأولى، تبدو المغنيات اللواتي يقدمن الأصوات الخلفية لإيمي واينهاوس في "Me & Mr. Jones"، إحدى أبرز أغنيات ألبوم النجمة البريطانية الراحلة Back to Black الذي شكّل انطلاقتها في 2006، في حيرة بعض الشيء. فبعد أن تهاجم واينهاوس حبيبها في السطور الافتتاحية لأنه جعلها "تفوت حفل سليك ريك"، يبدو للحظة وكأن المغنيات يسألن: "من هو سليك ريك؟". لكنهن في الحقيقة لا يقلن ذلك، وهنا يكمن فارق أساسي.
عندما صدر Back to Black قبل 20 عامًا، في 27 أكتوبر 2006، تعامل البعض مع واينهاوس باعتبارها مجرد ظاهرة عابرة وغريبة بعض الشيء: بريطانية مغطاة بالوشوم، تُدخل مفردات الهيب هوب إلى موسيقى الآر-أند-بي الأميركية الكلاسيكية. حتى اسمها، الذي اختصرته الصحافة البريطانية بسهولة إلى "واينو"، ساهم في تقديمها وكأنها شخصية كرتونية.
كانت واينهاوس بالفعل تتمتع بحس فكاهي رائع، وكانت تعرف جيدًا كيف تصنع لنفسها صورة مميزة، لكن ما تقوله المغنيات الخلفيات في "Mr. Jones" هو في الواقع: "أوه، سليك ريك". إنهن يرددن كلماتها، بما يؤكد أنهن يعرفن مغني الراب المنتمي إلى تيار الأولد سكول هيب هوب، وأن إيمي نفسها تتحرك داخل هذا العالم وتنتمي إليه.
إنهن جزء من عالمها، ولسن مجرد شخصيات مذعورة داخل نسخة موسيقية من Pleasantville، تحاول استيعاب هذا الكائن الفظ القادم من المستقبل.
وهذا بالضبط ما يجعل Back to Black متماسكًا من بدايته إلى نهايته، وما يبقيه حتى اليوم تجربة استماع آسرة، رغم كل ما ارتبط لاحقًا باسم واينهاوس، التي توفيت عام 2011 إثر تسمم كحولي. فالألبوم، الذي أنتجه سلام ريمي ومارك رونسون، لا يعتمد فقط على المفارقة بين شخصية إيمي المعاصرة تمامًا وأصوات موتاون وفرق الفتيات القديمة التي أعاد المتعاونون معها إحياءها. واختزال الألبوم في هذه المفارقة وحدها يظلم واينهاوس، كما يظلم الموسيقى التي استحضرتها بكل هذا الحب.
فموسيقى الآر-أند-بي في الستينيات التي تستحضرها آيمي واينهاوس في Back to Black صنعها بدورها أشخاص عاشوا تجارب قاسية، وكانت قوية بما يكفي لاحتواء كل ما جاءت به إيمي من مضامين غنائية. فمن فلورنس بالارد من ذا سوبريمز، إلى أعضاء ذا تيمبتيشنز ومارفن غاي، عانى العديد من فناني موتاون من الإدمان وصراعات شخصية أخرى. لكن الأعراف الاجتماعية آنذاك لم تكن تسمح تقريبًا بالغناء عن هذه الأمور، أو الخوض في التفاصيل الأكثر تعقيدًا وحميمية للعلاقات العاطفية، في عام 1965.
كانت موتاون، في جوهرها، تسوّق منتجًا حمل اسم "صوت أميركا الشابة"، ومع ذلك نجح فنانوها في تحويل أكثر المشاعر الإنسانية شيوعًا إلى شيء استثنائي، مستفيدين من الأدوات المتاحة آنذاك: البساطة الساحرة في كلمات مؤلفين مثل هولاند-دوزير-هولاند وسموكي روبنسون، والإيقاعات المصقولة والنابضة لفرقة الاستوديو ذا فانك براذرز.
ومن الفوارق الأساسية الأخرى في الستينيات أن عددًا قليلًا من الفنانين، وخصوصًا النساء، كانوا يكتبون أغنياتهم بأنفسهم. أما إيمي، فكتبت جزءًا كبيرًا من Back to Black بنفسها؛ وما أضافته إلى الآر-أند-بي الكلاسيكي كان قبل كل شيء بصمة فنانة صاحبة رؤية خاصة. تظهر هذه البصمة في كتابتها كما في غنائها: أداء متثاقل ومقصود، تتسلل من خلف جرأته المستمدة من الماضي وروحه المرحة هشاشة واضحة، مثل حمّالات صدر سوداء تظهر من تحت قميص أبيض بلا أكمام. لم تكن إيمي تقلّد هذه الموسيقى بقدر ما كانت تضع نفسها داخلها، وتتعامل معها كتقليد موسيقي حي لا يمكنه الاستمرار إلا إذا ظل قابلًا للتجدد.
قصص بقلمها وعن حياتها
وفي "You Know I’m No Good"، بدلًا من أن تلعب دور الحبيبة المجروحة، تكون هي الطرف الخائن. وفي المقطع الثالث، بينما تجلس في حوض الاستحمام وتنقع قدميها وتتحدث إلى حبيبها الجالس على المرحاض، تتساءل أيهما أسوأ: أن يُكشف أمر خيانتك، أم أن تكتشفي أن حبيبك لا يكترث؟ وكأنها الفتاة التي يغني عنها مارفن غاي في "Ain’t That Peculiar"، إلا أن ما يبقيه متمسكًا بها هنا ليس حبًا عنيدًا ويائسًا، بل اللامبالاة والقبول بما آلت إليه العلاقة.
وفي أغنية العنوان "Back to Black"، يأتي الحديث عن الممنوعات مرة أخرى في مرتبة ثانوية أمام الانكسار العاطفي الذي يقود جزءًا كبيرًا من الألبوم. صنعت واينهاوس Back to Black بعد انفصالها عن حبيبها بليك فيلدر-سيفيل، الذي عاشت معه علاقة متقطعة قبل أن تتزوجه لاحقًا ثم تنفصل عنه بالطلاق.
ترسم "Back to Black" الخطوط الرئيسية للحكاية: يعود هو إلى حبيبته السابقة، فيما تتولى بقية الأغنيات ملء التفاصيل. تتناول "Just Friends"، بإيقاعها الهادئ المستمد من الروكستيدي، صعوبة العودة إلى حدود الصداقة بعد انتهاء العلاقة. أما "Wake Up Alone"، بإيقاعها البطيء والمتعمد، فترصد قسوة الوقت على من يعاني ألم الحب؛ ساعات اليقظة تمر ببطء، فيما يراوغك النوم بأحلام عما لم يعد بإمكانك امتلاكه. وتشتد المعركة في "Some Unholy War"، التي تبدو إما كتمهيد لما حدث أو قفزة إلى ما سيأتي، وتتعهد فيها واينهاوس بالبقاء إلى جانب حبيبها حتى النهاية المريرة.
ويبلغ كل ذلك ذروته في "Love Is a Losing Game"، أقرب ما وصلت إليه واينهاوس إلى كتابة أغنية كلاسيكية خالدة. وباستثناء العبارة ذات الإيحاء الخفيف "five-story fire when you came" في المقطع الأول، ربما تكون اللمسة الوحيدة التي تنتمي بوضوح إلى القرن الحادي والعشرين هي هذا القدر من التشاؤم.
انتصارات موسيقية عبر خمسة عقود
في عام 1967، عندما وصلت ذا مارفيليتس إلى قائمة أفضل 20 أغنية على Billboard Hot 100 بأغنية "The Hunter Gets Captured by the Game" التي كتبها سموكي روبنسون، شبّهت الفرقة الحب بلعبة لا يمكن التنبؤ بنتيجتها، ولا يُعرف فيها من ستكون له اليد العليا. أما لدى واينهاوس، فلا منتصر في هذه اللعبة: الجميع يخسر.
لكن واينهاوس حققت انتصارًا حقيقيًا في حفل غرامي لعام 2008، حين قدمت عرضها عبر الأقمار الصناعية من لندن وحصدت خمس جوائز، بينها أغنية العام، وتسجيل العام، وأفضل فنانة جديدة.
وكان انتصار واينهاوس في أهم احتفالات صناعة الموسيقى وأكثرها تكريسًا للقبول والاعتراف دليلًا إضافيًا على أن Back to Black لم يكن مجرد إعادة تدوير سطحية لثقافة موسيقية أحبها جيل طفرة المواليد. وفي النهاية، لست بحاجة إلى معرفة سليك ريك كي تستمتع بهذه الموسيقى.
ترجمة بتصرف للمقال الأصلي كما نشر عام 2016 عبر موقع Billboard.com






