أصدر كاظم الساهر قبل نحو أسبوع ألبومه المنتظر "بلا عنوان" الذي ضم 18 أغنية متنوعة. تفاعل الجمهور بشكل خاص فيها مع الأغنية التي حملت توقيع الشاعر الراحل كريم العراقي "عشر دوخات". فبعد 3 سنوات على رحيله -وقد غادر عالمنا في الأول من سبتمبر 2023 بعد صراع مع المرض- يعود اسمه إلى الواجهة عبر مشروع رفيقه.. ضمن واحدة من أطول وأنجح الشراكات الشعرية والموسيقية في مسيرة القيصر.
لم تكن "عشر دوخات" أول عمل يقدمه كاظم لكريم العراقي بعد رحيله. فقد سبقتها قصيدة "الليل" التي شاركته غناءها سهيلة بهجت وطرحها ضمن ألبوم "مع الحب" عام 2024. كما صدرت ضمن نفس الألبوم قصيدة "لا تظلميه" التي عبّر لنا كاظم في مقابلة خاصة ببيلبورد عربية عن مدى سعادته أن كريم العراقي استطاع الاستماع إلى الأغنية قبل رحيله، لتصبح بذلك واحدة من الأعمال التي تحمل إلى جانب قيمتها الفنية بعدًا إنسانيًا خاصًا في علاقة الساهر بإرث صديقه وشريكه الراحل.
في "عشر دوخات" تولى القيصر تلحين الكلمات فيما جاء التوزيع الموسيقي لمحب الراوي، لتخرج الأغنية كعمل عراقي خالص أداه الساهر بمنتهى المحبة.
الأغنية غزلية لكن رقتها لا تأتي من بساطة موضوعها فحسب، بل من الطريقة التي صور بها كريم العراقي مع حالة الحب والوله. فوضع العاشق في حالة انغماس كامل في تفاصيل محبوبته حتى تصبح الهمسة والنظرة فعلًا قادرًا على تغييب العالم من حوله. وتجلى ذلك أكثر في الجزء الثاني من اللازمة: "إذا تهمس لي همسة/ أذوب وكل شي أنسى/وإذا تنظر لي نظرة شوق أسكر".
أما كاظم فتعامل مع النص كما لو أنه يعرف تمامًا المساحة الموسيقية التي يحتاجها، فيضع لحنًا سلسًا وغير متكلف. بينما يأتي التوزيع ممتلئًا بالآلات الحية التي تنسجم مع مدرسته الموسيقية وتمنح الأغنية روحًا كلاسيكية واضحة بعيدًا عن اللهاث وراء الحسابات السوقية أو الصياغات الموسيقية الرائجة حاليًا. وكأن الساهر هنا لا يحاول تحديث النص بقدر ما يحاول الحفاظ على روحه وإعادة تقديمه بالطريقة التي تليق بصاحبه.
قد تكون شراكة كاظم الساهر مع الشاعر نزار قباني هي الأشهر والأكثر حضورًا في ذاكرة جمهور العالم العربي، لكن ذلك لا ينتقص بأي شكل من الأهمية والثقل الفني اللذين تمثلهما شراكته مع كريم العراقي. فالعلاقة بين الرجلين لم تكن مجرد تعاون بين مطرب وشاعر بل كانت علاقة صداقة قوية، بدأت في وقت مبكر من حياة الساهر وتحديدًا خلال سنوات تأديتهما الخدمة العسكرية، وحينها كان الشاعر قد أصبح معروفًا في الأوساط الفنية حيث كان نبوغه الشعري قد ظهر منذ سنوات طفولته الأولى.
ربما ساعد هذا القرب المبكر كريم العراقي على التقاط موهبة كاظم وتفرده ومع مرور السنوات تحولت المعرفة إلى شراكة فنية استثنائية أثمرت أكثر من 50 عملًا غنائيًا. من الصعب الحديث عن جميع محطات هذه الشراكة لكن بعض الأعمال تكشف وحدها لماذا بقيت هذه الشراكة واحدة من العلامات الفارقة في مسيرة القيصر.
ما الذي يتبقى "بعد الحب"؟
في ألبوم "بعد الحب" الصادر عام 1995 كان لحضور كريم العراقي مساحة بارزة، خاصة مع مشاركته في كتابة الأغنية الرئيسية "بعد الحب" مع كاظم الساهر. أغنية تبدو كأنها حكاية لها راويان متناغمان، شاعر ومطرب يتقاسمان الرؤية نفسها ويتمكن كل منهما من تطويع موهبته بحيث يبدو النص واللحن والأداء نسيجًا واحدًا.
تأخذنا الأغنية إلى مساحة قصصية عن الحب والفراق والمشاعر المتأججة وتمنح الصور الشعرية مساحة واسعة للتعبير. إلا أن أغنية "ها حبيبي" التي كتبها العراقي منفردا تستحق التوقف عندها أيضًا. فهي أغنية رومانسية رقيقة تبدأ بتساؤل ممزوج باللهفة قبل أن يتحول الخطاب إلى محاولة لاسترضاء الحبيبة وإغداقها بالمشاعر أملاً في مصالحتها
وبالرغم من سهولة الكلمات وبساطتها فإنها لا تبدو سطحية، على العكس تحمل قدرًا واضحًا من الصدق العاطفي، وهي واحدة من أبرز سمات كتابة كريم العراقي، فقد امتلك قدرة استثنائية على جعل اللغة تبدو طبيعية وسلسة،" وكأن الكلمات تنساب بين يديه دون عناء، ثم تتحول في النهاية إلى أبيات تحمل معاني قوية وقابلة للتلحين والغناء دون أن تفقد روحها الشعرية.
"المستبدة" حين يتحول الحب إلى صراع
بعد خمس سنوات وتحديدًا في عام 2000 أصدر كاظم الساهر ألبوم "الحب المستحيل" الذي حملت أغنيته الرئيسية توقيع الشاعر نزار قباني، وشكل في تلك المرحلة محطة مهمة في مسيرة الساهر، سمحت بوصوله إلى جمهور وشرائح عمرية جديدة.
لكن كريم العراقي كان حاضرًا في هذا التحول أيضًا من خلال واحدة من الأغنيات التي يصعب نسيانها: "المستبدة". لحنها القيصر كما فعل مع أغلب أعماله، وتكمن براعة النص في قدرته على صياغة شخصية المرأة منذ البداية بروح أنثوية متسلطة ومستبدة كما يراها العاشق، وكأن الأغنية تضع الطرفين أمام صراع ملحمي حول من سيتمكن من إخضاع الآخر أولًا. إلا أن هذا التحدي لا يستمر طويلًا، فمع تقدم الأغنية يبدأ العاشق نفسه في الكشف عن هشاشته وضعفه أمام المرأة التي يحاول مواجهتها.
واللافت هنا أن القصيدة جاءت بالفصحى وهي مساحة أخرى برع فيها العراقي فقد كان له القدرة على التنقل بين الفصحى واللهجة العراقية بتعابيرها الشعبية الدارجة بسلاسة لافتة. لم تكن اللغة بالنسبة إليه قالبًا ثابتًا بل أداة يختارها وفقًا لما يحتاجه النص، فينتقل بين المستويين وكأنه ينتقي مفرداته بعناية شديدة دون أن يشعر المستمع بأي انفصال بينهما.
في ألبوم "قصة حبيبين" الصادر عام 2002، شارك كريم العراقي بـ 5 أغنيات، وهو حضور يعكس حجم الثقة التي كان يمنحها كاظم الساهر لقلمه في تلك المرحلة. سمعنا حينها "دلع"، الأغنية الخفيفة والراقصة التي اتخذت طابعًا بصريًا مميزًا من خلال تصويرها كفيديو كليب بمشاركة الأطفال، لتصبح صورتها عالقة في ذاكرة كثيرين ممن عاصروا تلك الحقبة الذهبية للفيديو كليب العربي، حين كانت القنوات الفضائية تلعب دورًا أساسيًا في تشكيل الذاكرة البصرية لجمهور الأغنية.
وفي الألبوم نفسه قدم الثنائي "كان صديقي" وهي قصيدة اختار فيها الشاعر راويًا مختلفًا للحكاية، وهو صديق يقف خارج العلاقة، شاهدًا على قصة حب بدأت ثم انتهت إلى الفراق.
منح النص شخصية الصديق كل المساحة ليحكي المأساة من موقع الشاهد، فتتحول الأغنية إلى حكاية عاطفية مكتملة الأركان. وهي من النصوص الثقيلة التي تحتاج إلى أداء يوازي كثافتها الشعرية. الأمر انعكس في توزيع كلاسيكي غني بالوتريات فيما جاءت آهات الساهر لتضيف طبقة أخرى من الألم، وكأن صوته لا يكتفي برواية الفراق فقط .
ومن بين ما كتبه بالعامية، يصعب تجاوز "كل ما تكبر تحلى" الصادرة ضمن ألبوم "حافية القدمين" عام 2003. وهي واحدة من النماذج التي تكشف قدرة الشاعر والملحن والموزع على تحديث الأغنية دون قطع الصلة بهويتها. فقد تعامل هشام نياز مع النص ببراعة ووضع توزيعًا معاصرًا ينسجم مع شكل الأغنية في تلك الفترة، من دون أن يفقد الكلمات روحها أو يخرجها عن مدرسة كاظم الساهر الغنائية.
رواية لها وجهان وقصة حب في "المحكمة"
ثم سمعنا أنجح الدويتوهات النسائية في مسيرة كاظم الساهر مع صدور "المحكمة" التي جمعته بالفنانة أسماء لمنور، وهي في بداية مسيرتها.
كتبها كريم العراقي وصدرت ضمن ألبوم "الرسم بالكلمات" عام 2009. الأغنية في جوهرها حوار غنائي شديد الذكاء، طرفان في علاقة عاطفية لا يتفقان على رواية واحدة فيلجآن إلى قاضي كي يفصل بينهما.
كل طرف يدخل إلى المحكمة وهو مقتنع بأنه صاحب الحق. كاظم يرى أنه يدلل حبيبته ويمنحها من الحب ما يكفي، بينما ترى هي أنه يجحف في حقها وأنها تعرضت للظلم. وبين وجهتي النظر يصبح القاضي شاهدًا على علاقة لا يمكن اختصارها في رواية واحدة لأن كل طرف يرى الحب من زاويته الخاصة.
ثقل القصيدة بالفصحى لم يكن عائقًا أمام وصولها بل كان جزءًا من جاذبيتها. فقد منح العراقي الحوار مساحة شعرية واسعة بينما استطاع الساهر وأسماء لمنور التعامل مع النص باعتباره مبارزة غنائية حقيقية. كل منهما يرد على الآخر يرفع حجته ويكشف جانبًا من شخصيته، إلى أن تتحول الأغنية إلى مشهد مسرحي كامل داخل قالب غنائي.
"دلع النساء" والتجديد دون التخلي عن الهوية
لربما آمن كاظم الساهر عبر مسيرته بالتجديد، لكن ضمن مساحة لا تجعله يتخلى عن شخصيته الفنية. وأغنية "دلع النساء" التي صدرت ضمن ألبوم "لا تزيديه لوعة"عام 2011 مثال واضح على هذه المعادلة.
فالأغنية مكتوبة بالفصحى وتتناول بعض الاستنكار من دلال النساء وسرعة غضبهم أحيانًا فيبدو العاشق وكأنه يشكو من تقلباتها، لكن من دون أن يتحول الأمر إلى تذمر حقيقي فهو في النهاية يعرف طبيعتها ويبدو متسامحًا مع غضبها ومستمتعًا به في الوقت نفسه.
من الناحية الموسيقية، جاءت التجربة أكثر انفتاحًا على معاصرة تلك المرحلة، إذ مزج كريم عبد الوهاب في التوزيع بين الإيقاعات الإلكترونية والوتريات والطبول الشرقية.
قد لا تبدو الفكرة الشعرية نفسها ثورية هنا، وربما يزعج البعض اختزال بعض المشكلات العاطفية في مفهوم "الدلع"، لكن الأغنية في مجملها تظل تجربة لطيفة تكشف رغبة الساهر في مواكبة التحولات الموسيقية من دون أن يفقد ملامحه الأساسية.
لا يصعب بعد تأمل هذه التجارب تحديد جوهر وأهمية كريم العراقي في تجربة كاظم الساهر، فقد حمل الأغنية العراقية في قلبه واستطاع من خلال كلماته وصوت القيصر أن يساهم في انتشارها عربيًا، وفي الوقت نفسه حافظ على حضور الفصحى كخيار شعري قابل للحياة داخل الأغنية الحديثة.
لذلك حين نستمع اليوم إلى أحدث إصداراتهما "عشر دوخات" لا تبدو الأغنية مجرد عمل جديد يحمل اسم العراقي في ألبوم كاظم بل تبدو امتدادًا طبيعيًا لشراكة لم ينتهي أثرها برحيل أحد طرفيها. فالشاعر غاب لكن كلماته ما زالت تجد صوتها وكاظم في كل مرة يعيد فيها تقديم نص من نصوص رفيقه، يمنح هذه الكلمات حياة جديدة لتبقى شهادة على موهبة كريم العراقي وعلى شراكة فنية تجاوزت حدود التعاون لتصبح جزءًا كبيرًا من مسيرة القيصر.






