تعاون كاظم الساهر مع صوت نسائي جديد شغل الجمهور طوال الأيام الماضية، ومنذ صدور ألبومه الجديد "بلا عنوان". ليس لأن تعاوناته عبر السنوات قليلة نسبيًا فحسب، ولكن أيضًا لأن التعاون جاء مدفوعًا بقصة تنسج خيوطها من ذاكرة القصيدة العراقية الحديثة، وتضرب على أوتار إحساس القيصر، القارئ ومتذوق الشعر قبل أية صفة أخرى.
كيف تحولت مناوشة شاعرين إلى أغنية جديدة؟
صدور أغنية "تدخنين" أعاد نبش حكاية قديمة يقارب عمرها الخمسة عقود، حين التقت الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة بالشاعر السوري عمر أبو ريشة في لقاء ترجّح المصادر أنه جاء على هامش إحدى الدورات المبكرة لمهرجان المربد. سألها أبو ريشة تباعًا إن كانت تدخن أو تشرب أو ترقص، فأجابت في كل مرة بالنفي، ليختصر إجابتها بسؤال مازح حمل شيئًا من التحدي: "ما أنت؟ جمعُ لا!".
لم تتوقف لميعة عند الإجابة، بل احتفظت بالحوار وحولته لاحقًا إلى قصيدة أسمتها "عراقية" وأهدتها صراحة إلى عمر أبو ريشة. وفيها واجهت الصورة السطحية للمرأة الشرقية التي قد تبدو محاطة بالممنوعات، مؤكدة أن ما تمنحه يتجاوز تلك العلامات، وأن من يريد رؤيتها عليه أن يرتفع إلى مستواها: "حلّق… فلو طأطأتَ لا تراني".
القيصر.. وتحدي غناء القصيدة النسائية
رد لميعة على أبو ريشة حمل خطابًا نسويًا جمع رقة اللغة الشعرية، وحزم امرأة شعرت أنها تعرضت للإهانة، ولو عبر تعليق ساخر غير مؤذٍ. الانطباع ذاته الذي خلفته جميع أشعار لميعة لدى القيصر كلما قرأها.
ففي مقابلة منشورة لها من العام 2015 سُئلت لميعة ما إذا حاول موسيقيون عراقيون غناء أشعارها، فروت حينها تفاصيل حديث بينها وبين كاظم أخبرها فيه أنه يقتني ويقرأ دواوينها، لكنها نقلت عنه قوله أن شعرها شديد الأنوثة وأن صوتها حاضر فيه إلى درجة يصعب معها أن يتحوله لأغنية بصوته: "قال لي مرة لا أستطيع أن أغني شعرك لأنه كلام أنثوي وصوتك حاضر. قصائدك تقول ها هي لميعة ولن تكون كاظم يغني".
أرشيف كاظم الفني.. وثيقة للأدب والشعر
لكن القيصر لم يستسلم. فبعد مشروع مؤجل أُعلن عنه منذ 2019، قدمها كاظم الساهر أخيرًا هذا العام بمشاركة سندي لطي؛ وكأن وجود الصوت النسائي في الديو أعاد إلى النص روحه الأصلية: رجل يسأل، وامرأة تجيبه وتعيد تعريف نفسها، بما يتيح للصوت الأنثوي أن يظل جزءًا أساسيًا من الحوار الذي تقوم عليه القصيدة أصلًا.
بين تعليق الشاعرة عام 2015، وإعلان القيصر عام 2019، وصولًا إلى لحظة صدور الأغنية في 2026، امتدت رحلة "تدخنين" لأكثر من عقد، في ما يعكس حجم تمسّك كاظم الساهر بالقصيدة وإصراره على ضمها إلى أرشيفه الفني، رغم ما حملته من تحدٍ استثنائي أمامه. ولم يكن التحدي في كون النص مكتوبًا على لسان امرأة تخاطب رجلًا بنبرة مباشرة، بل في أسلوب لميعة عباس عمارة نفسه، وخصوصية الصوت الذي كتبت من خلاله القصيدة.
فالتعامل مع نصوص تكتبها شاعرات لم يكن غريبًا عن تجربة كاظم، ولا سيما خلال العقدين الأخيرين. في ألبوم "مع الحب"، مثلًا، قدّم قصيدة "مررت بصدري" للشاعرة اليمنية جمانة جمال، التي صاغت نصها على لسان رجل بإتقان عالٍ جعلها بين أبرز أغاني الألبوم، إلى جانب قصيدتين من كلمات الشاعرة دارين شبير. وسبقت ذلك، على امتداد مسيرته، تجارب مع عدد من الشاعرات، من بينهن الشاعرة نشوى جرار، والشاعرة د. حنين عمر. لكن "تدخنين" وضعته أمام معادلة مختلفة: نص أنثوي مكتمل الهوية، لم يكن المطلوب فيه أن يغنّي كلمات كتبتها امرأة، بل أن يجد طريقته الخاصة لأداء صوتها كما كتبته هي.
بالنتيجة، وبعد وضعه للحن القصيدة، انحصرت مساحة القيصر الأدائية في 3 كلمات فقط، ما بين تلو الشعر في البداية بصوت الشاعرة الأصلية عبر تسجيل قديم، ثم أداء سيندي للقصيدة القصيرة بصوتها. الأمر الذي يؤكد لنا ما لم يصرّح به كاظم بوضوح، بأن نيته من هذه التجربة لم تكن أن يغني القصيدة بصوته، بقدر ما كانت عزمًا على ضم قصيدة لـ لميعة عباس عمارة إلى أرشيفه، بل وأن يكون لشاعرة عراقية بحجمها وموهبتها قصيدة مغناة يحفظها الناس فتخلّد ذكرها.






