عام 2000 ظهر المطرب ربيع الخولي على شاشة قناة LBC ليعلن خبر اعتزاله، لحظ لم تكن سهلة الفهم على جمهوره، فربيع الخولي لم يكن وقتها نجمًا خفت بريقه، أو صوتًا فقد قدرته على المنافسة، بل صاحب رصيد كبير من الأغاني الناجحة التي تضمن لبقائه تحت مظلة النجومية.
اختفى من المشهد الغنائي، وعاد إلى اسمه الأصلي طوني الخولي، ليبدأ فصلًا مختلفًا تمامًا من حياته، ولكنه لم يترك خلفه تساؤلات حول مصير أغانيه وحفلاته واحتمالات عودته، بل طرح سؤالًا أهم :كيف ولماذا ترك كل هذا؟
"ستوديو الفن" بتوقيع سيمون أسمر
كعادة أغلب نجوم حقبة الثمانينيات والتسعينيات في لبنان انطلق ربيع الخولي من برنامج "ستوديو الفن" عام 1980.
بدأت القصة عندما التقط الفنان روميو لحود موهبته في الغناء لوديع الصافي وأم كلثوم، وقدمه للمخرج سيمون أسمر الذي فتح له أبواب البرنامج ليشارك عن فئة أغنيات وديع الصافي، لكن المخرج الكبير كعادته في اكتشاف المواهب غير اسمه ومنحه إسم شهرته "ربيع الخولي".
لم يحتج ربيع إلى وقت طويل حتى يلفت الانتباه، فخامة صوته المتمكنة من كل ألوان الطرب أوصلته لمزاج الجمهور سريعًا، وهو كان ذكيًا في التنوع بين الغناء لكوكب الشرق ووديع الصافي تارة، وتقديم الأغنية الشعبية الراقصة تارة أخرى، وبهذه الفلسفة انطلق صوته خارج حدود لبنان.
لا شك أن ربيع استفاد من انتشار الكاسيت واتساع سوقه عربيًا مطلع الثمانينات، في مرحلة لم ترتبط فيها النجومية بالغناء في الإذاعة والتواجد عبر القنوات الرسمية فقط. الكاسيت صنع جيلًا كاملًا من الخليج إلى المحيط، وربيع كان واحدًا من الأصوات التي برزت في هذا الجيل عبر 7 ألبومات امتدت من الثمانينيات وحتى نهاية التسعينيات.
وبعد سنوات قليلة من الغناء للكبار انطلق ربيع نحو عالم الكاسيت وتحديدًا عام 1984 مع ألبوم "متل الغربا منتلاقى" والذي ظهر بتوقيع الملحنين الكبيرين ملحم بركات ونور الملاح، الإسمين الذين أثقلا ظهوره الفني ومنحاه ألحانًا عذبة شكلت هويته الغنائية المتنوعة، حتى أن الصحافة أطلقت عليه حينها لقب "مارد الطرب" لقدرته على التنوع والتنقل بين الأشكال الغنائية المختلفة.
بين ملحم بركات ونور الملاح وأم كلثوم
المُلفت أن الألبومات السبعة التي قدمها ربيع وكان آخرها "لولا" عام 2000 ، لم تكن مجرد محطات متفرقة في مسيرته، بل تجارب تعكس تطور مسيرته وتنوع اختياراته الموسيقية.
أغنيات تكشف مطرب لا يمكن حصره في لون واحد، وهذا يمكن ملاحظته في أعماله الطربية مع ملحم بركات مثل "آه لو فيي" و "إن كان الله بيريد" و "علي كيفي"حيث بدت وكأنها امتداد لصوته الطربي في أغاني أم كلثوم، ونقل بركات صوته أيضًا إلى الألحان الشعبية اللبنانية في "نوينا عالجازي"، بينما جاءت أعماله مع نور الملاح بلمسة رومانسية وعاطفية حديثه مثل أغنيات "حبي أنا"و "شمس الحب".
ورغم حضور صوته على ألحان الكبار لم يكن ربيع مجرد مطرب ينتظر ما يقدمه الملحنون والشعراء. فقد صاغ بنفسه ألحان بعض أغانيه، مثل "ياريت بترضى" التي ارتبطت بأهم مراحل مسيرته.
استطاع ربيع، خلال هذه السنوات، صناعة رصيد كبير من الأغنيات، وإحياء حفلات وجولات في عدد من الدول العربية والأوروبية.
حتى في حقبة التسعينيات، ظل حاضرًا من خلال الفيديو كليب الذي كان موضة هذا العصر، فقدم أغنيات مصورة من بينها "معك حق" و "لولا" التي تعد آخر كليباته المصورة.
حادث سليم الخولي .. عندما تغير كل شيء!
في عام 1999، توفي سليم الخولي، شقيق ربيع ومدير أعماله، في حادث مروري أليم، كانت الخسارة أكبر من فقدان شقيق، فقد افتقد ربيع شخصًا ارتبط بحياته الفنية وكان حاضرًا في إدارة مسيرته.
تربط التقارير التي تناولت اعتزال ربيع بين هذه الفاجعة وبين التحول الذي أعقبها حيث تغيرت نظرته للحياة بفقدان شقيقة، بل تناولت بعض التقارير الصحفية أنه قال في "عظة دينية" أنه لو ظل شقيقه سليم حيًا، لاستمر في الفن ولم يصبح فيما بعد الأب طوني الخولي.
في عام 2000، اتخذ قراره النهائي بالاعتزال، ودخل ديرًا تابعًا للرهبانية اللبنانية المارونية، وتفرغ لخدمة الكنيسة، وخلال هذه السنوات انخرط في مساره الكنسي حيث درس الفلسفة واللاهوت.
بعد سنوات هاجر إلى كندا حيث يقيم في مدينة تورنتو، ليواصل مسيرته الدينية تحت مسمى الأب طوني الخولي، بل قدم خلال هذه الفترة ترنيمة للسيدة مريم العذراء والتي كشفت عن احتفاظه بحلاوة صوته، والمفارقة أنه استخدم فيها نفس لحنه لأغنية "ياريت بترضى".
تظل حكاية ربيع الخولي، في النهاية، أعمق من قصة مطرب اعتزل في قمة مجده، فهي حكاية شخص هويته واسمه المعروف، وترك حياة كاملة من الشهرة والنجومية ليبدأ حياة جديدة بعيد عن الماضي، وربما كان وضعه للحنة الشهير "ياريت بترضى" في سياق مختلف تمامًا أكبر دليل على أن ربيع نفسه قرر أن يمضي حياته بسياق آخر حتى لو احتفظ بشيء من الماضي وهو الصوت.






