من الصعب الحديث عن موجة البوب اللبناني في التسعينيات من دون المرور باسم هاني العمري، حتى لو أن اسمه اليوم لا يُذكر بكثافة أسماء مثل وائل كفوري أو عاصي الحلاني أو رامي عياش. ليس لأنه كان أقل نجاحًا، بل لأن مسيرته أخذت مسارًا أكثر هدوءًا؛ مسار نجم كان حاضرًا بقوة في سوق الكاسيت، ثم ابتعد طويلًا قبل أن يعود بشكل متقطع، من دون أن يستعيد إيقاعه القديم بالكامل.
والغريب أن اسم هاني العمري لا يزال يحمل دفئًا خاصًا لدى الجمهور. حين يُطل في حفلاته أو يطرح أغنية جديدة، يُستقبل دائمًا بحنين واضح، لكن هذا الحنين يذهب مباشرة إلى التسعينيات وبداية الألفية؛ إلى المرحلة التي كان فيها أحد أكثر الأصوات الرومانسية حضورًا في البوب اللبناني.
حين كان الصوت وحده يكفي
ما ميز هاني العمري منذ بدايته، أنه كان صوتًا لا يكاد يختلف عليه أحد، فكل من استمع إليه كان يعترف بقدرته الاستثنائية على تقديم الأغنية الرومانسية بإحساس عالٍ جدًا، ودون استعراض أو مبالغة درامية. كان يغني ببساطة شديدة، وكأن الكلمات تخرج منه بخفة طبيعية جدًا. هذه المساحة تحديدًا كانت نقطة تفوقه الكبرى. ربما لم ينافسه فيها أحد، سوى فضل شاكر لاحقًا، فهاني العمري كان يتميز عن نجوم البوب اللبناني في التسعينيات بقدرته الكبيرة على جعل الأغنية تبدو سهلة حتى عندما تكون مشحونة بالعاطفة.
بدأ مسيرته عام 1990 مع ألبوم "مشتاق أضمك"، الذي حمل طابعًا رومانسيًا؛ الأغنية الرئيسية التي حملت الاسم ذاته كانت بوابته السريعة للنجومية، بلحنها الطربي ورقتها، استطاعت أن تحفر مكانة خاصة وترفع سقف التوقعات للنجم الجديد الذي كان يبلغ 21 سنة من عمره حينها.
ورغم الانطلاقة القوية، كان هاني العمري يسير بإيقاع بطيء وثابت، لم يستعجل بإصداراته، ليأتي ثاني ألبوم له بعد 4 سنوات، "ملفت للنظر"، الذي أكمل معه رسم معالم هويته الفنية بهدوء، قبل أن يُصدر ألبوماته بوتيرة أسرع في ذروة نجاحه الفني، ما بين سنة 1995 و2003؛ فخلال هذه السنوات قدم 5 ألبومات، لايزال صدى أغانيها يتردد حتى يومنا الحالي. ففي تلك الفترة أصدر أبرز أغانيه الرومانسية مثل "سهران وناطر عينيكي" و"عجبتيني كتير" و"ملك روحي" و"من بعد طول السنين" وغيرها. وإلى جانبها أصدر أغاني أكثر خفة، تناسب تطور موسيقى البوب اللبناني في تلك الفترة وتتماشى مع التحولات السريعة في السوق، مثل "كلهم شافوك" و"ياريت بشوفها الليلة". هذه المرونة كانت جزءًا مهمًا من استمراره الطويل. فلم يكن هاني العمري أسير لون واحد، لكنه كان دائمًا يعود إلى المنطقة التي يتفوّق فيها أكثر من غيره: أغاني البالاد العاطفية.
وتزامن ذروة هاني العمري الفنية مع تحولات حادة في سوق الإنتاج، فحينها بدأ عصر الفضائيات التي تبث الكليبات العربية على مدار الساعة، وربما لم يكن ذلك عنصرًا مساعدًا لهاني العمري الذي يعتمد قبل كل شيء على الصوت والإحساس، والذي كان يتسم حضوره بالهدوء مقارنةً مع نجوم البوب من جيله. لكن هاني العمري تمكن أن يتكيف بذكاء مع التحولات، باعتماده على الرسوم المتحركة في بعض كليباته، ليترك لنا واحدة من أبرز الذكريات البصرية من ذلك العصر، بأغنية "كلن شافوك".
ابن سيمون أسمر الذي انتهى عند الياس الرحباني
في التسعينيات، تبناه سيمون أسمر، ليخرج هاني العمري من البيئة نفسها التي صنعت نجوم التسعينيات، لكنه كان أقل صخبًا إعلاميًا، وأقل ميلًا لصناعة الجدل، وأكثر اعتمادًا على الأغنية نفسها. وظل على حاله حتى عام 2005، التي قدم بها ألبومًا تجميعيًا لأبرز أغاني قبل أن يختفي عن المشهد لسنوات بصمت، لأسباب كان قد وصفها بأنها عائلية. واللافت أنه عندما عاد بعد سنوات، أخذت مسيرته منعطفًا نادرًا جدًا: فبعد أن كان ابن مشروع سيمون أسمر الجماهيري، أصبح لاحقًا آخر الأصوات التي راهن عليها إلياس الرحباني.
وفي واحدة من أكثر المحطات غير المتوقعة في مسيرته، عاد هاني العمري عبر مشروع كامل مع الرحباني، أعاد خلاله إحياء جزء من أرشيفه، وقدم أغاني مثل "كنا نتلاقى" و"دخلك يا طير الوروار" و"يا قمر الدار"؛ ليكون هاني العمري بذلك الصوت الوحيد الذي التقى به مساران متعارضان: مدرسة الرحابنة ومسار البوب اللبناني مدرسة سيمون الأسمر.
أعادت تلك العودة تسليط الضوء عليه، وكأن صوته وجد مساحة جديدة داخل أرشيف لبناني كبير. لكن وفاة إلياس الرحباني لاحقًا أوقفت هذا المسار قبل أن يتطور أكثر، وكأن المشروع انقطع قبل أن يصل إلى أقصى إمكاناته.
إصدارات جديدة محاصرة بأصداء النجاحات القديمة
عودة هاني العمري بعباءة الرحابنة كانت سلاحًا ذو حدين، فرغم أنها مثلت اعترافًا رمزيًا به، وأكدت أنه صوت استثنائي. ولكن العودة من هذا الباب أغرقت اسمه بالنوستالجيا، التي كان غارقًا بها بحكم أغانيه القديمة التي لايزال صداها يتردد. ومنذ ذلك الحين لم يختفِ هاني العمري تمامًا، لكن حضوره صار باهتًا، وكأنه ظلًا لماضيه. وفي عام 2018 عاد إلى سكة الإصدارات، ليطلق أغاني منفردة على فترات متباعدة، ليحقق معها نجاحًا متواضعًا لا يرتقي إلى مستوى نجاحاته القديمة. لكن ربما أجمل ما في أغانيه الجديدة أنها لا تبدو محاولة يائسة للحاق بالمشهد الحالي، بل تبدو امتدادًا هادئًا لشخصيته القديمة. عندما تسمعها، تشعر بأنها تحمل صدى واضحًا لهاني العمري الذي عرفناه سابقًا.






