بالتزامن مع احتفال نانسي عجرم بالذكرى العشرين على إصدار ألبومها "يا طبطب"، تعود الأغنية التي حملت اسم الألبوم بإنجاز على قوائم بيلبورد عربية هذا الأسبوع، لتكون الأكثر صعودًا على قائمة هوت 100، في مشهد يختصر رحلة أغنية وُلدت في عصر الفضائيات وتمكنت من الصمود بوجه الزمن وتحولاته.
في عام 2006، أصدرت نانسي عجرم ألبومها "يا طبطب"، الذي جاء بعد ثلاث سنوات على حضورها الطاغي والمثير للجدل في المشهد الموسيقي العربي. فمنذ "يا سلام" (2003) الذي تضمن الهيت الأول "أخاصمك آه"، ومرورًا بـ "آه ونص" (2004)، خلقت نانسي عجرم لنفسها مكانة خاصة في المشهد الموسيقي، بحضورها الأنثوي الرقيق وأغانيها الإيقاعية وأسلوبها الخاص بالأداء الذي يطغى فيه الدلع. جاء ألبوم "يا طبطب" ترسيخًا لهوية نانسي عجرم المميزة وتأكيدًا على أنها تسير بخطى مدروسة.
الصورة ترفد الصوت
في "يا طبطب"، لم تبحث نانسي عجرم عن انقلاب فني، بل حاولت تثبيت البنية الناجحة نفسها التي صاغتها بالألبوم السابق "آه ونص"، والذي تضمن أغاني بثلاث لهجات: الغالبية باللهجة المصرية؛ ثمانية أغاني، بالإضافة لأغنية باللهجة اللبنانية وأغنية باللهجة الخليجية. في محاولة واضحة لتوسيع الانتشار في مختلف الأسواق العربية. ولتحقيق انتشار أكبر، عززت نانسي عجرم العنصر البصري في الألبوم، ليكون "يا طبطب" أكثر ألبوم تضمن كليبات في مسيرتها؛ إذ صُوّر منه ستة كليبات من أصل إحدى عشرة أغنية. لتبدو نانسي واعية أن العنصر البصري جزء من نجاحها في عصر الفيديو كليبات.
كان واضحًا أن نانسي ترسم مسارًا مخططًا للنجاح. لكن، في المقابل، كان الخطاب الشائع آنذاك مختلفًا: كثيرون اعتبروا أنها ظاهرة ستنجح بسرعة وتنتهي بسرعة، وأن أغانيها خفيفة، مرتبطة بلحظتها، وغير قادرة على العيش طويلًا خارج موجة منتصف الألفية. الزمن وحده كان كفيلًا بالإجابة، ويبدو أنه أجاب بوضوح هذا الأسبوع، مع عودة "يا طبطب" لتكون الأكثر صعودًا على هوت 100 بعد عقدين من صدورها.
أغنية "يا طبطب" تمثل معادلة صعبة تتكرر في هيتات نانسي عجرم، فهي بالظاهر أغنية تم تركيبها لتناسب دلع نانسي عجرم، بمفرداتها اليومية البسيطة وإيقاعها الراقص الخفيف. لكن ما وراء الدلع، ثمة طبقة شعورية أعمق. فالأغنية لا تعبّر فقط عن دلال، بل عن الإحساس بانعدام الأمان، والإحساس أنها مطالبة دائمًا بفعل الكثير حتى تحافظ على الوضع الراهن. وقد زاد من إثارة الأغنية الكليب الذي أخرجته نادين لبكي، والذي نقل أجواء المرح بالفضاء العام؛ السيرك، ونقل إحساس الخوف وانعدام الأمان بتموضع نانسي عجرم فيه، ضمن ألعاب الثقة الخطيرة. ذلك الإحساس الذي يمكن التقاطه باللقطة الأيقونية في الكليب، مع مرور السكاكين بمحاذاة نانسي، في لعبة ثقة محفوفة بالخطر.
أغاني على وحدة ونص
شكّل إيقاع المقسوم المصري العمود الفقري للألبوم. حضر في الأغنية الرئيسية "يا طبطب"، وتكرّر في ست أغاني أخرى، ليمنح الألبوم هوية راقصة متماسكة، من بينها "معجبة" و"أشتكي منه"؛ أغاني كان فيه الإيقاع هو المحرّك الأساسي للطاقة، فيما تتكئ الجملة اللحنية على التكرار والسرعة لإنتاج هيت سريع. حتى في الأغنية اللبنانية "أنا يلي بحبك"، التي وزعها طارق مدكور، حضرت الروح الإيقاعية ذاتها بأسلوب قريب من المقسوم المصري، ما جعلها منسجمة مع البنية العامة للألبوم، رغم اختلاف اللهجة.
لكن الأغنية اللبنانية الأكثر تأثيرًا في ألبوم "يا طبطب" كانت بلا شك "إحساس جديد". شكّلت هذه الأغنية لحظة توازن داخل الألبوم، وأكثر محطاته رومانسية ودفئًا. هنا خفّ حضور الإيقاع لصالح العاطفة، وتقدّم الإحساس على الدلع. بدت نانسي في "إحساس جديد" أكثر نضجًا، أقل اعتمادًا على الخفة الظاهرة، وأكثر ميلًا إلى تجسيد المشاعر الرومانسية. يمكن اعتبار هذه الأغنية بداية خط عاطفي متكامل بنت عليه نانسي لاحقًا سلسلة من الهيتات الرومانسية التي اعتمدت على الدفء أكثر من اعتمادها على الإيقاع السريع.
أما الأغنية الخليجية في الألبوم، "مشتاقة ليك"، فمثّلت بدورها محطة مهمة. صحيح أن ألبومي نانسي السابقين تضمّنا أغنية خليجية لكل منهما، لكن "مشتاقة ليك" كانت أول أغنية خليجية لنانسي تحقق هذا المستوى من الانتشار والنجاح. جاءت الأغنية بصيغة أكثر تكاملًا من تجاربها السابقة، لتفتح أمام نانسي عجرم باب حضور أوسع في الخليج، وتؤكد قدرتها على التنقل بين اللهجات من دون أن تفقد هويتها الخاصة.
الألبوم الخامس في مسيرة النجمة الشابة كان مفصلًا على مقاسها تمامًا. صنّاع الأغاني عملوا عليها وصوت وصورة نانسي راسخان في مخيلتهما، الأمر الذي يعتبر طموح وحلم كل مغنٍ يدخل الساحة الفنية في أي زمان ومكان. لكن هذا لم يكن ليحدث، لو لم يسبقه خطوات مدروسة ومتسارعة لنانسي في بداية الألفية، أعلنت عبرها عن هوية واضحة وجريئة، بتصور واضح عن شخصيتها الفنية، وجرأة في تنفيذ هذا التصور.






