تجتمع أربعة أسماء من أبرز نجوم الموسيقى المصرية في التسعينيات، هي محمد فؤاد وإيهاب توفيق وهشام عباس وحميد الشاعري، في حفل «اختارنا لك» المقرر إقامته مساء 30 أكتوبر ضمن مهرجان الفسطاط بالقاهرة، في لقاء يعيد إلى المسرح أصواتا ارتبطت بمرحلة تركت بصمتها في الأغنية المصرية.
ولا تقتصر أهمية الحفل على اجتماع أربعة مطربين في ليلة واحدة، بل تمتد إلى ما يمثله كل اسم من تجربة مختلفة داخل جيل واحد؛ فمحمد فؤاد ارتبط بالأغنية العاطفية ذات الطابع الشعبي، وإيهاب توفيق رسخ حضوره في الأغنية الرومانسية، فيما قدم هشام عباس مزيجا من الإيقاعات الشرقية والتأثيرات الموسيقية العالمية، بينما ارتبط حميد الشاعري بتحولات التوزيع الموسيقي التي ساهمت في تشكيل صوت الأغنية المصرية خلال تلك المرحلة.
جيل صنع ذاكرته
شهدت التسعينيات تحولات واضحة في شكل الأغنية المصرية، مع توسع استخدام الآلات الإلكترونية والإيقاعات الحديثة، وتغير أساليب التوزيع والتسجيل. ولم يكن حميد الشاعري مجرد مطرب ضمن هذا المشهد، بل ارتبط اسمه أيضا بتجارب توزيع ساهمت في تقديم أصوات وأعمال اتسمت بطابع مختلف عن السائد قبله.
وفي الوقت نفسه، استطاع فؤاد وتوفيق وعباس بناء أرصدة غنائية متنوعة، ضمت أغنيات عاطفية وراقصة وأعمالا انتشرت عبر الألبومات والكاسيت والقنوات التلفزيونية. وهكذا ارتبطت هذه الموسيقى بفترة كان فيها الألبوم وسيلة أساسية لاكتشاف الفنان ومتابعة تطوره.
لماذا ينجح الحنين؟
تمنح حفلات نجوم التسعينيات الجمهور فرصة لاستعادة أغنيات ارتبطت بذكريات شخصية ومراحل عمرية مختلفة. فالأغنية التي سمعها شخص في سنوات الدراسة أو بدايات العمل قد تستعيد معناها في الحفل، لكن هذه المرة ضمن تجربة جماعية يشارك فيها الحاضرون بالغناء والتفاعل.
كما أن اجتماع أكثر من نجم في أمسية واحدة يتيح للجمهور التنقل بين أنماط غنائية مختلفة، بدلا من الاكتفاء بتجربة فنية واحدة. ويمنح هذا التنوع الحفل قيمة إضافية، خصوصا عندما يمتلك كل مطرب مجموعة من الأغنيات التي يعرفها الجمهور ويرتبط بها.
لكن الحنين وحده لا يفسر استمرار هذه الحفلات؛ فالأغنيات التي تبقى حاضرة في الذاكرة هي أيضا تلك التي تحتفظ بألحان قابلة للاستعادة وكلمات يسهل ترديدها، وتستطيع الانتقال من زمن إصدارها إلى جمهور لم يعش بالضرورة سنوات انتشارها الأولى.
الأرشيف في تجربة حية
يطرح اجتماع فؤاد وتوفيق وعباس والشاعري سؤالا حول الطريقة التي يمكن بها تقديم أرشيف التسعينيات للأجيال الجديدة. فالحفلات لا تعيد تشغيل التسجيلات القديمة فحسب، بل تمنح الأغنيات فرصة للظهور في سياق جديد، من خلال الأداء الحي وتفاعل الجمهور واختلاف الترتيب الموسيقي.
وتتوقف قيمة هذه التجربة على قدرة الفنانين على الحفاظ على هوية الأعمال التي اشتهروا بها، مع تقديمها بما يلائم المسرح والجمهور الحالي. كما أن وجود هذه الأغنيات في الحفلات يتيح للمستمعين الأصغر سنا التعرف إلى مرحلة مهمة من تطور الأغنية المصرية، بعيدا عن الاكتفاء باستعادتها عبر التسجيلات.
أكثر من ليلة حنين
يمثل حفل «اختارنا لك» مناسبة لاجتماع أربعة فنانين ارتبطوا بمرحلة مؤثرة في تاريخ الأغنية المصرية، لكنه يطرح أيضا سؤالا يتجاوز الحفل نفسه: هل يستمر نجاح حفلات التسعينيات لأنها تعيد الجمهور إلى الماضي، أم لأن جزءا من هذا الأرشيف لا يزال قادرا على المنافسة في الحاضر؟
قد يجتمع السببان؛ فالذاكرة تمنح الأغنيات نقطة انطلاق قوية، لكن استمرارها في الحفلات يعتمد أيضا على قدرتها على إثارة التفاعل خارج زمنها الأصلي. وبين أربعة أصوات وتجارب مختلفة، تعود التسعينيات إلى المسرح لا بوصفها حقبة انتهت، بل أرشيفا موسيقيا ما زال يجد طريقه إلى الجمهور.






