لم يبدأ الجدل حول أغنية "أنا حبيت" مع إصدارها، ولا حتى مع نجاحها، بل بدأ متأخرا، حين قرر اللحن نفسه أن يخرج من صمته.
لحن بسيط، مألوف على نحو يربك الذاكرة، كأنه تردد من قبل في مكان ما، أو زمن ما، أو حياة سابقة. ومع كل عودة للأغنية إلى التداول، يعود السؤال القديم: من أين جاء هذا اللحن؟
اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على أول ظهور لهذا اللحن بصوت الفنان المصري الراحل سعيد صالح، في مسرحية كعبلون، وبعد مرور أكثر من 30 عاما على غناء الفنان المصري محمد محيي لأغنية "أنا حبيت"، لا يزال اللحن معلقا بين روايتين لا تلتقيان، وبين زمنين، وبين تعريفين متناقضين لمعنى الملكية الفنية.
سعيد صالح على المسرح
في عام 1985، كان الفنان سعيد صالح يعرض مسرحية "كعبلون"، وخلال أحداث العمل غنى اللحن الجدلي بكلمات تقول في بدايتها "أنا اتلهيت وخدل زندي"، دون أن يسجل اللحن رسميا، ودون أن يقدم بوصفه عملا غنائيا مستقلا.
كان اللحن حاضرا، لكن بلا بطاقة هوية، وفي تلك اللحظة، بحسب ما رواه محمد محيي لاحقا في تصريحات تلفزيونية، استقر اللحن في أذنه. لم يكن يعرف مصدره، ولم يقدم له بوصفه ملكية خاصة، بل بدا- كما يقول- أقرب إلى لحن سمعه الناس من قبل، أو ينتمي إلى تلك المنطقة الرمادية التي نسميها اختصارا "الفلكلور".
ولادة "أنا حبيت"
بعد سنوات من غناء سعيد صالح، يعود اللحن إلى السطح مجددا، لكن هذه المرة في عمل مكتمل تماما. المطرب الشاب المصري محمد محيي يقدمه اللحن نفسه في مطلع التسعينيات، بكلمات جديدة كتبها الشاعر عنتر هلال، لتخرج الأغنية إلى الجمهور تحت اسم "أنا حبيت"، ويتم تسجيلها على غلاف الألبوم رسميا كلحن فلكلوري.
النجاح لا يثير الأسئلة فورا. الأغنية تعيش حياتها الطبيعية، تذاع، ويرتبط بها الجمهور، وتستقر في الذاكرة الجمعية؛ لكن خلف الكواليس، كان شيء آخر يتكون.
العتاب المؤجل
يفاجأ محمد محيي، بعد طرح الأغنية، بعتاب من سعيد صالح. العتاب لم يكن فنيا بقدر ما كان أخلاقيا: لماذا نسبت اللحن إلى الفلكلور؟ ولماذا لم تذكر اسمي؟
هنا فقط يتحول اللحن من حالة وجدانية إلى قضية خلاف بين سعيد صالح ومحمد محيي.
محيي، في روايته، يتمسك بأنه سمع اللحن أول مرة على المسرح، ولم يتلق إشارة صريحة بأنه لحن مؤلف حديثا، وأن اختياره تصنيفه فلكلورا لم يكن التفافا، بل اجتهادا مبنيا على طبيعة اللحن نفسه.
رواية الابنة هند
تدخل ابنة سعيد صالح على خط الجدل برواية ثالثة، تبدو مناقضة للطرفين. تؤكد أن والدها لم يكن ملحنا من الأساس، وأنه لم يدع يوما تأليف اللحن، وأن ما غناه على المسرح كان لحنا تراثيا متداولا، التقطه وأداه كما يفعل كثيرون.
بهذا التصريح، لا يعود اللحن ملكا لسعيد صالح، ولا يصبح خطأً من محمد محيي، بل يعود إلى نقطة أبعد، المتمثلة في التراث الشفهي المصري الذي لا يعرف المؤلفين.
تتوالى الشهادات، التي لا تحسم شيئا. الملحن والموزع حسام حسني يذهب إلى أن اللحن قديم ومتداول، ويصعب نسبته إلى مؤلف بعينه؛ في المقابل، يتمسك الشاعر عنتر هلال، كاتب كلمات "أنا حبيت" بأن اللحن كان يتداول باعتباره لحن سعيد صالح، لا مجرد لحن شعبي مجهول. وكل شهادة تضيف طبقة جديدة من الالتباس، لا من اليقين.
بلا شهادة ميلاد
هكذا، وبعد كل هذه السنوات، يبقى اللحن معلقا في المنتصف بلا أب ينسب إليه.
ليس موثقا كعمل فلكلوري خالص، ولا مثبتا كملكية فردية، ولا حتى متفقا على لحظة ميلاده الأولى. ربما لأن بعض الألحان لا تكتب لتنسب، بل لتتداول، وربما لأن الذاكرة الفنية، مثل الذاكرة الشعبية، لا تعترف دائما بالحدود القانونية.
وفي كل مرة تغنى فيها "أنا حبيت"، يعود السؤال من جديد، لا بحثا عن اسم في تترات قديمة، بل عن حقيقة لحن اختار أن يعيش حرا، بلا توقيع.






