بعد سنوات من الغياب عن عالم الألبومات، تعود دنيا سمير غانم بأغنية "الله يعينّي" التي طرحتها منذ أيام كأولى أغنيات ألبومها الجديد "الدلال" المستوحى اسمه من والدتها الراحلة دلال عبد العزيز. وتأتي الأغنية كخطوة أولى في مشروع يعيد دنيا إلى تجربة الألبوم بعد أكثر من عقد، إذ تعود آخر تجاربها في هذا المجال إلى عام 2013 مع ألبوم "واحدة تانية خالص".
لكن غياب دنيا عن الألبومات لم يكن يعني ابتعادها عن الغناء فخلال هذه السنوات ظل صوتها حاضرًا في أعمالها التلفزيونية والسينمائية والمسرحية، مستفيدة من كونها فنانة شاملة تمتلك قدرة لافتة على الانتقال بين التمثيل والاستعراض والغناء وتقديم أكثر من شخصية فنية.
في الأغنية الجديدة تتعاون دنيا مع مصطفى ناصر في الكلمات وعمرو مصطفى في الألحان فيما تولى النابلسي مهمة التوزيع. وتقدم الأغنية حالة عاطفية تقوم على العتاب واللوم والخذلان بعدما وجدت البطلة نفسها أمام حبيب يمنحها وعودًا لا يفي بها وهو ما تختصره اللازمة بوضوح: "منك لله تعشّمني / بكلام تنساه وتحرمني / ده الله يعيني على النسيان".
ورغم أن موضوع الأغنية ينطلق من مساحة مألوفة في الأغنيات العاطفية فإن أداء دنيا يمنح الكلمات شخصية مختلفة. فهي لا تتعامل مع الخذلان من موقع الغضب أو الرغبة في الانتقام بل من حالة أقرب إلى الاستسلام واللجوء إلى الله، وهو ما يجعل الأغنية متسقة إلى حد كبير مع الصورة التي ارتبط بها الجمهور مع دنيا: العفوية والطيبة والقدرة على التعبير عن الألم من دون مبالغة.
أما لحن عمرو مصطفى فقد جاء سلسًا ومدركًا جيدًا لطبيعة صوت دنيا ومساحاته خصوصًا مع معرفته بإمكانياتها من خلال تعاوناتهما السابقة. لذلك لا يحاول اللحن استعراض قدراتها الصوتية بقدر ما يترك لها مساحة لتوظيف صوتها في خدمة الحالة الشعورية للأغنية وهو ما ينسجم مع طبيعتها كمغنية تعتمد بدرجة كبيرة على الإحساس والتلوين أكثر من الاستعراض وقوة الصوت.
ويأتي توزيع النابلسي ليكون أحد أبرز عناصر الأغنية خصوصًا في اعتماده على الإيقاعات الشرقية أو بالأحرى إيقاع المقسوم إلى جانب حضور الوتريات في المقدمة والفواصل. هذا الاختيار يخلق مساحة من الشجن لكنه في الوقت نفسه يخفف من ثقل موضوع الأغنية فلا تتحول حالة الخذلان إلى أغنية حزينة ومؤلمة بالكامل.
وهنا تحديدًا تظهر واحدة من أكثر نقاط الأغنية إثارة للاهتمام وهو التناقض بين موضوعها وإيقاعها. فدنيا لا تبكي على إيقاع بطيء ولا تدخل في حالة من الانهيار العاطفي، بل تتحرك فوق توزيع راقص نسبيًا وكأنها وصلت بالفعل إلى مرحلة التسليم بالأمر الواقع. هي لا تحاول تغيير ما حدث وإنما تطلب فقط أن يعينها الله على النسيان.
ويبدو هذا النوع من الأداء مناسبًا لدنيا بشكل خاص، فصوتها يتمتع بمرونة تسمح له بالتشكل وفق القالب الغنائي الذي تؤديه، وربما يمكن ربط هذه الخاصية أيضًا بإرث والدها الراحل سمير غانم الذي امتلك بدوره قدرة خاصة على تطويع صوته لخدمة الشخصية التي يقدمها. ورغم أن الغناء الكوميدي كان المساحة الأبرز التي تألق فيها سمير غانم فإن دنيا تبدو أكثر اتساعًا من حيث الألوان التي يمكن لصوتها أن يحتملها ويأتي الغناء العاطفي في مقدمة هذه المساحات.
وعلى مستوى الصورة اكتفت دنيا بفيديو مصاحب للكلمات من دون تصوير فيديو كليب تقليدي للأغنية، وهو اختيار قد يكون مفهومًا في ظل استراتيجية طرح الألبوم تدريجيًا، لكنه في الوقت نفسه يترك مساحة كان يمكن استغلالها بصريًا لإضافة طبقة جديدة إلى الأغنية خصوصًا أن شخصية دنيا وقدرتها على التمثيل كانتا ستمنحان أي معالجة بصرية مساحة واسعة للعب والتجريب
حكم أولي
عودة دنيا سمير غانم إلى عالم الألبومات تبدو في حد ذاتها خطوة محسوبة خصوصًا بالنسبة إلى فنانة ظل جمهورها يتابعها وينتظر جديدها الغنائي رغم انشغالها لسنوات بالتمثيل. كما يُحسب لها اختيار توقيت مختلف نسبيًا للعودة بعيدًا عن زحام إصدارات موسم الصيف بما يمنح الأغنية فرصة أكبر للحصول على مساحة من الانتباه
"الله يعيني" ليست أغنية عن الخيانة والخذلان بالمعنى التقليدي بقدر ما هي أغنية عن الطريقة التي تختار بها دنيا أن تتعامل مع هذا الخذلان. فحتى عندما تقول "منك لله" لا تبدو غاضبة بقدر ما تبدو مستسلمة لما حدث وكأن شخصيتها العفوية والطيبة تتسلل إلى الأغنية وتعيد تشكيلها. وهنا تصبح دنيا إلى حد كبير، ممثلة بصوتها وإحساسها وليست مجرد مؤدية للكلمات
ويظل التوزيع الموسيقي للنابلسي أحد أهم عناصر قوة الأغنية، فالمزج بين المقسوم والوتريات خلق توازنا بين الشجن والحيوية مع الحفاظ على صوت دنيا في مركز المشهد وعدم السماح للتوزيع بأن يطغى على إحساسها. كما أن هذا التناقض بين الإيقاع الراقص والموضوع العاطفي منح الأغنية شخصية خاصة وجعلها أقل مباشرة من أغنية حزينة تقليدية عن الفراق
في المجمل تبدو "الله يعينّي" بداية موفقة لعودة دنيا إلى مشروع الألبوم، أغنية متكاملة من حيث اللحن والتوزيع والأداء وتملك ما يكفي من الخفة والصدق لتصل إلى جمهورها سريعًا. وربما كان ينقصها فيديو كليب قادر على تحويل هذه الحالة إلى صورة ومنحها عنصر مفاجأة إضافيًا لكن غيابه لا ينتقص من قيمة الأغنية نفسها، التي نجحت خلال أيام قليلة في جذب الانتباه وفتح الباب أمام التساؤل عما تخبئه بقية أغنيات "الدلال" لجمهورها ومحبيها.






