حين أصدر عمرو دياب ألبومه سهران في 12 فبراير 2020، كان التوقيت يبدو مثاليًا: ألبوم جديد بالتزامن مع عيد الحب، مزاج رومانسي، وعودة مرتقبة للهضبة في فصل اعتاد أن يمرّ عليه بخفّة. لكن بعد أيام قليلة فقط، بدأ العالم يدخل واحدة من أكثر لحظاته التباسًا مع انتشار جائحة كوفيد. حظر التجوّل تمدّد من بلد عربي إلى آخر، أُغلقت المسارح، توقفت الحفلات، وتحوّل البيت إلى مساحة عزلة طويلة. في هذا السياق غير المتوقع، خرج "سهران" من كونه ألبوم فالنتاين إلى رفيق ليالي الوحدة، وصوتًا حاضرًا في لحظة لم تكن تشبه أي توقيت موسيقي سابق.
لم يكن "سهران" نتيجة مسار مخطط له بهذا الشكل. في صيف 2019، كان عمرو دياب قد أعلن عن ألبوم مختلف بعنوان "أنا غير"، وبدأ بطرح أغنيات منفردة يُفترض أنها جزء من هذا المشروع، بينها أغنيتان تم ضمهما إلى ألبوم "سهران" لاحقًا": "يوم تلات" و"قدام مرايتها"؛ اللتان شكلتا أولى تعاوناته مع عزيز الشافعي. وبينما كانت الأغاني تصدر تباعًا، ودون أن تكتمل ملامح ألبوم "أنا غير"، غيّر عمرو دياب الاتجاه، وأُعلن عن ألبوم جديد كليًا بعنوان "سهران".
تأثير المهرجانات
صدر ألبوم "سهران" بعد تخبط؛ بعد تغيير اسم الألبوم وهويته وتأجيل موعد طرحه عدة مرات. ربما كان للمهرجانات تأثيرها بذلك، فالمهرجانات حينها كانت تتعدى كونها لونًا هامشيًا أو موجة عابرة، بل تحوّلت إلى الصوت الأكثر انتشارًا وتأثيرًا، تملأ الشارع، وتتصدر المنصات، وتفرض قاموسها اللغوي ومزاجها الحاد على الذائقة العامة. واختيار الفالنتاين موعدًا لطرح ألبوم بوب رومانسي قد يكون الخيار الأفضل لضمان نجاحه.
اللافت أن عمرو دياب لم يكن يتعامل مع المهرجانات بوصفها تهديدًا، كما فعل كثير من أبناء جيله، ولم يتخذ موقفًا دفاعيًا أو أخلاقيًا منها. في المقابل، لم يندفع أيضًا إلى تبنّيها أو الانجرار مع موجتها. اختار منطقة وسطى أكثر تعقيدًا: الإصغاء أولًا، ثم الاقتراب بحذر، وانتقاء ما يمكن أن يندمج داخل عالمه من دون أن يفقد هويته.
في هذا السياق، لا يظهر تأثير المهرجانات في "سهران" بوصفه اقتباسًا مباشرًا، بل كظلّ حاضر في الخلفية. التأثير الأوضح لم يكن موسيقيًا بقدر ما كان لغويًا وبموضوعات بعض الأغاني. فالمهرجانات، في ذروة صعودها، لم تفرض إيقاعًا فقط، بل فرضت قاموسًا لغويًا كاملًا، وأقحمت في أغانيها موضوعات التي كانت غائبة نسبيًا عن أغنية البوب الرومانسية الكلاسيكية؛ كالفقر والوحدة والعلاقة مع الصحاب، الذين قد يغدرون وقد يكونون السند.
ففي "سهران" يستخدم عمرو دياب كمية كبيرة من المفردات التي لم يعتادها جمهوره: "جامدة بس"، "يا روقانك"، "عملت قلبان" وغيرها. بهذه التحولات اللغوية أثبت عمرو دياب أنه لا يُغني من برج عالٍ، بل يقترب من لغة يومية يعيشها جيل كامل على وسائل التواصل الاجتماعي. الفارق الجوهري بينه وبين أغاني المهرجانات أن هذه اللغة، حين تمر عبر صوته وأسلوبه، تُعاد صياغتها وتُهذَّب من دون أن تفقد تمامًا حدّتها أو بيئتها.
"عم الطبيب" و"مهرجان": الاعتراف بالمهرجانات والتفاعل معها
تُعد أغنية "عم الطبيب" أكثر لحظات الألبوم التصاقًا بروح المهرجانات والأغنية الشعبية في بنيتها النفسية. الأغنية مبنية على فكرة القلق والضيق والبحث المستمر عن تفسير لحالة داخلية غير مفهومة. فيها يتقمّص عمرو دياب دور المريض، لا الحبيب. ويقسّم الأغنية إلى ثلاثة مشاهد يخاطب فيها الطبيب، ثم العطّار، ثم شيخ العرب، في سرد غنائي محمّل بمرارة شعبية واضحة.
هذا التحوّل في الدور مهم. فعمرو دياب، الذي اعتاد أن يظهر في مواقع السيطرة العاطفية، يسمح لنفسه هنا بأن يكون هشًّا، مرتبكًا، وباحثًا عن حلّ خارج ذاته. لغويًا، الأغنية أقرب إلى خطاب الشارع، وموضوعيًا تلامس الإحساس الجمعي بالاختناق والضياع، خصوصًا في تلك المرحلة الزمنية التي سبقت الجائحة مباشرة. وحتى لو كان غناء عمرو دياب عن الفقر ليس مقنعًا لجمهوره، ولكنه عرف كيف يتسلسل بالأغنية في سياق منطقي يوصله لهذه النقطة دون استهجان؛ بعد أن يقترح الطبيب الحب علاجًا ويقترح العطار الصحاب الجدعان ملاذًا، يكون كلام شيخ العرب عن الفلوس التي تداوي كل علة وندب عمرو دياب من الفقر له بعد درامي قد يُقبل منطقيًا في سياقه.
أما أغنية "مهرجان" فهي الأكثر صراحة في علاقتها مع هذه الموجة. العنوان نفسه إعلان واضح، لا يحتمل التأويل. الأغنية تستعير بعض عناصر عالم المهرجانات: نغمات كيبورد قريبة من هذا المزاج وطاقة احتفالية، لكنها تُعاد صياغتها داخل قالب الأغنية الرومانسية الديابية. الأهم أن "مهرجان" تعمل كـ موقف فني أكثر من كونها تجربة موسيقية بحتة. هي تقول إن هذا العالم موجود ومسموع ومؤثر، ولا يمكن تجاهله.
"سهران" والطابع السردي
ومع ذلك، سيكون اختزال "سهران" في علاقته مع المهرجانات قراءة ناقصة. فالألبوم، رغم وعيه الكامل بما يدور حوله، لا يُبنى بوصفه ردّ فعل على موجة بعينها، بل كمحاولة لتأسيس مساحة خاصة تتجاوز اللحظة الآنية. "سهران" ألبوم أفكار ومزاجات قبل أن يكون ألبوم مواقف. فيه رغبة واضحة في الإمساك بتفاصيل العلاقات الإنسانية اليومية، بتناقضاتها وهشاشتها، بعيدًا عن التصنيفات الجاهزة: بوب، مهرجان، شعبي، أو طربي. هذه المرونة في التعاطي مع الأنماط هي ما يمنح الألبوم طابعًا متماسكًا، رغم تنوّعه الموسيقي الكبير.
أحد المفاتيح الأساسية لفهم هذا التماسك هو الأسلوب السردي الذي يهيمن على الألبوم. في عشرة أغاني من أصل 16، لا يظهر عمرو دياب كمغنٍ يعبّر عن حالة شعورية مجرّدة، بل كراوٍ يسرد حكايات، ويشرح، ويستعيد التفاصيل الصغيرة التي تُكوّن التجربة العاطفية. من الجملة الأولى في الأغنية الافتتاحية "جامدة بس": "قالولي عنها كتير" يضعنا عمرو دياب داخل سياق حكائي، كأننا أمام قصة تُروى لا أغنية تُؤدّى. هذا السرد يصبح أكثر وضوحًا في أغنية "سهران" نفسها، حيث تُنقل سهرة كاملة بكل انطباعاتها وتعليقاتها العابرة، لرصد الحب كحكاية يمر في كل التفاصيل.
في "هيعيش يفتكرني" نسمع تخييلًا لمستقبل الطرف الآخر ما بعد علاقة درامية، وفي "حلوة البدايات" و"أول يوم في البعد" يقوم عمرو دياب بتوصيف بداية الحب وبداية الحياة ما بعد الحب. حتى في الأغاني الأكثر خفّة، يبقى هناك خيط حكائي واضح، يجعل الألبوم يبدو كأنه سلسلة مشاهد متجاورة من عالم واحد.
هذا الخيار السردي يفسّر أيضًا طول الألبوم، وكونه الأطول في مسيرة عمرو دياب. ست عشرة أغنية لا تأتي هنا بوصفها فائض إنتاج، بل كمساحة ضرورية لبناء هذا العالم. "سهران" لا يعمل كألبوم ضربات سريعة، بل كألبوم يُراكم الإحساس تدريجيًا، ويمنح كل فكرة وقتها.
بهذا المعنى، يمكن القول إن "سهران" يلتقط لحظة إنسانية أوسع: لحظة قلق وبحث وسهر طويل، ورغم أنه تم إعداده لموسم الفالنتاين لكنه كان مثاليًا لفترة الجائحة؛ لأنه ألبوم حكائي سردي لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يترك المستمع يتجوّل بين حكاياته، ويجد فيها ما يشبهه، بعيدًا عن أي محاولة لحصره في إطار واحد أو قراءة واحدة.
إيقاعات كثيرة وصوت واحد
وبالإضافة لكل ما سبق، فإن أحد أكثر الأمور المثيرة بألبوم "سهران" أنه الأكثر تنوعًا على مستوى الإيقاع والبنية الصوتية بين ألبومات عمرو دياب. من السالسا في "جامدة بس"، إلى الديب هاوس في "حلوة البدايات"، مرورًا بالـ EDM في "يا روقانك"، والفوكس الهادئ في "جميلة"، وصولًا إلى المقسوم الذي يتكرّر بصياغات مختلفة بوصفه العمود الفقري للألبوم.
اختيار المقسوم في الأغنية التي يحمل الألبوم اسمها "سهران" يحمل دلالة إضافية، إذ تصبح هذه أول مرة بعد 25 عامًا يربط فيها دياب عنوان ألبومه بإيقاع الشارع، منذ "راجعين" عام 1995، في إشارة واعية إلى إعادة وصل ما انقطع مع المزاج الشعبي.
هذا الثراء الإيقاعي ترافق مع تنوّع واضح في النسيج اللحني والآلات المستخدمة. جيتارات الفلامنكو والبزق التركي والسينثات الرقيقة والكمانجات والقانون والساكسفون والأكورديون، كل هذه الأصوات تتجاور في الألبوم وتثير الإعجاب، لا بجمعها بل في القدرة على صهرها؛ حيث يثبت عمرو دياب مجددًا قدرته على تحويل هذه المرجعيات المختلفة إلى لغة واحدة يمكن تمييزها بسهولة بوصفها "أغنية ديابية"، مهما اختلفت الجنرا.
وسط هذا العالم المتشعّب، يبرز التعاون مع ابنته جنا عمرو دياب في أغنية "جميلة" كعلامة فارقة، لا بوصفه حدثًا عاطفيًا فقط، بل كاختيار فني محسوب. الأغنية، بنبرتها الهادئة وبساطتها المقصودة، تبدو كجسر بين جيلين، وكأن دياب لا يقدّم ابنته للجمهور بقدر ما يقدّم نفسه لها أيضًا، في لحظة تبادل خبرة أكثر منها استعراضًا للأبوة. هذا التعاون يختصر فكرة الألبوم بأكمله: فنان في ذروة نضجه، لا يخشى مشاركة المساحة، ولا يرى في التجديد تهديدًا، بل امتدادًا طبيعيًا لمسيرته.






