جاء ظهور شيرين عبد الوهاب في الاستوديو بعد غياب طويل برفقة الملحن عزيز الشافعي والموزع توما ليفتح باب الأمل أمام عودتها مجددًا للساحة الغنائية.
عاصفة من الحب والترحيب استقبل بها الجمهور هذه اللقطات القصيرة لشيرين وهي تُسجل أغنية جديدة قد تُطرح في القريب العاجل. هذه الحالة طرحت في كواليسها سؤالاً هامًا: لماذا نحب شيرين عبد الوهاب رغم كل الانتكاسات والأزمات التي ضربت مسيرتها؟
قبل عام ونصف تقريبًا أطلقت شيرين "نصف" ألبوم بدون جهة إنتاج، بلا دعاية حقيقية، وبلا منصة رسمية وسربته عبر تطبيقات التواصل مثل "تليجرام". اكتفت بالضحك قائلة: "هنزل ألبومي على البوتاجاز" ، كمن يحرق آخر شراع في سفينته ويحتفل بغرقها.
رغم ذلك دعمها الجمهور، وصعد بأغنياتها إلى قوائم الأعلى استماعًا، فكان ردها حضورًا باهتًا في حفلها بمهرجان موازين، ظهور أقرب لانتكاسة فنية ألمَّت بمطربة كانت ملكة للمسرح، فباتت فاقدة لأبسط أدواتها فوق خشبته.. الغناء!
بعد كل هذه السقطات ظل الملايين يحبون شيرين عبد الوهاب، يطلقون آلاف التغريدات والمنشورات لدعمها، يكسرون سهام النقد قبل أن تطالها، ويدشنون الحملات لإعادتها للواجهة بصوتها لا بأزماتها ومع ذلك لم تعود.
علاقة شيرين بجمهورها مُربكة. لا تجد تفسيرًا واضحًا لهذا الحب "العنيف" الغير مشروط.. ما يترك السؤال مُعلقًا: لماذا نحب شيرين عبد الوهاب؟
التمرد على القيود
منذ بدايتها تمردت شيرين على قيود السوق، عزفت على وترها الخاص حتى لو أراد العالم لها نغمة أخرى، رفضت قولبتها في لقب "المطربة الشعبية" حتى لو كان هذا الوصف هو طريقها للشهرة.
بكت حين سموها "شيرين آه ياليل"، رفضت تصوير الأغنية، ولكن المنتج نصر محروس ذكرها بتعاقدهما، فانصاعت وهي تتمنى تصوير أغنية "بحبك أوي" لتظهر كأنثى تُعبر عن مشاعرها، أرادت أن ترى نفسها امرأة رومانسية، وفي تلك اللحظة أيقنت أن رحلتها مع مكتشفها لن تدوم طويلًا.
"كنت عايزة أخلص من نصر، مكانش مقدرني، ومش عارف قيمتي، العقد كان بيقيد حريتي في تقديم أعمال باسلوبي"
رأت أن كل أغنية هي ثورة صغيرة على القيود التي أرادها لها الآخرون، تمردها ليس رفضًا للفن، بل رفضًا لأن يسد طريقها نحو نفسها.
انتقلت إلى روتانا وهناك وجدت حرية أكبر لتغني ما تريد، ولكن التمرد ظل رفيقًا لروحها فتكررت الخلافات وكأنه فيلم طويل ممل.
في البداية قالت :
" خرجت من عند نصر محروس عارفة هكمل مشواري ازاي"
وفي النهاية ختمت قصتها مع روتانا قائلة: "روتانا استقبلوني استقبال عظيم .. بعدها بقيت زيي زي غيري.. كنت متوقعة يعملولي حاجات كبيرة".
لم تُفسر شيرين في لقائها السابق مع الإعلامية إسعاد يونس المقصود بالحاجات الكبيرة، وكأنها تتحدث عن أشياء في مخيلتها فقط بعيدًا عن العقود والالتزامات، هي لم تختَر الفن كالتزام، بل كفضاء لتعبير روحها عن الحرية ، تتمرد على الكمال الذي يفرضه الالتزام، وترفض أن تدفع ثمنه.
طافت في دائرة مغلقة من الخلافات التعاقدية مع روتانا، ثم شركة نجوم ريكوردز، ومع الموزع والمنتج الموسيقي حسن الشافعي، تنقلت بين مديري الأعمال. كل منهم بنى معها خططًا طموحة انتهت بتبادل الاتهامات في جلسات الوسط الفني .
لم تكن مجرد فنانة مطيعة، بل روحًا حرة تمردت على كل منتج و كل يد ساعدتها فوصل الأمر لتمردها على موهبتها هي شخصيًا!
الاختيارات الصادقة
"لما ابتديت مشواري الفني كان هدفي إني معملش أغاني كتير، أعمل أغاني قليلة بس تكون ناجحة وتعيش"
في لقاء سابق مع "بيلبورد عربية" كشفت شيرين فلسفتها في اختيار أغانيها .. قالت: " مش بختار الأغاني مجرد لأنها شايعة… بحس بيها أولا، وبعدين بختارها، لأن الأغنية لازم تعبر عن إحساسي وتوصّله للي بيسمع"
لا تختار شيرين الأغنية لأنها ناجحة، بل لأنها تشبه جرحًا تعرفه جيدًا… الأغنية عندها اعتراف، وليس مُنتج فني، ترى أن الاحساس هو بوصلتها الوحيدة، وكأنها لا تغني إلا ماعاشته فعلا، الأغنية التي لا تمس قلبها، لا ترى النور بصوتها، لا تؤمن بأن الأغنية نجاح مؤقت، لأن الألم الذي في صوتها لا يعرف توقيتًا.
لهذا ليس غريبًا أن تقفز أغنيات قديمة لها إلى صدارة قوائم الأعلى استماعا الآن مثل "الوتر الحساس" و "كلام عينية"، بل وتصبح العام الماضي الفنانة العربية الأكثر استماعًا على مستوى العالم في قوائم بيلبورد عربية .
بدت حياة شيرين مرآة لطفولة قاست فيها الأمرين في سبيل موهبتها. لا يدرك الكثيرون مدى الألم الذي عاشته طفلة في العاشرة وقفت تغني في الأفراح الشعبية أغاني أم كلثوم وسعاد محمد ووردة عن الحب، ولم تدرك وقتها أن تلك اللحظات كانت ترسم مشاهد الألم العميق المحفورة في أبعد نقطة داخل روحها.
شجاعة أم تهور؟
وُلدت شيرين فنيًا كضحية: ضحية للأسرة ثم المنتجين ثم الأزواج، وتمردت على كل هذه القيود دون أن تتصالح مع الماضي المرير.
هربت من آلام الطفولة ومن قيود الفن لتبحث عن الحب الذي لم تجده، فقبلت بفتات محبة، وبقايا علاقات سامة، كل علاقة كانت محاولة لفهم نفسها، وكل تجربة تمردت عليها لتثبت أنها قادرة على مواصلة الحياة.
أحبّت شيرين تجربة الألم قبل أن يغزوها، وكأن قلبها يكتب جروحه بالغناء. تقمّصت دور الضحية، ولم تخشَ السقوط فيه، لأنه يولّد أغاني لا تُنسى. أحبّ الناس هذه الضحية، وبكوا معها وهي تغنّي بعذاب: "يتمنى أنساك… زي ما إنت نسيتني في يوم".
في رحلة شيرين عبد الوهاب، لا يمكن فصل الأغنية عن السلوك، ولا الصوت عن الحياة. اختياراتها الفنية، التي بدت دائمًا صادقة إلى حد القسوة، كانت انعكاسًا مباشرًا لصراع داخلي لم يُحسم يومًا.
هي لا تغني للألم لأنها تحبه، بل لأنها تعرفه، ولا تعود إليه إلا لأنه المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالأمان!
بَنَت مجدها على الصدق المُطلق، ودفعت ثمنًا نفسيًا باهظًا حين تحول هذا الصدق إلى نمط حياة لا يعرف الاتزان، فسارت على الطريق نفسه الذي سلكته ويتني هيوستن وإيمي واينهاوس.
ومع كل أزمة، يعود خطاب "إنقاذ شيرين" إلى الواجهة. ولكن سر التعاطف الجارف معها لا يكمن في ضعفها، بل في شجاعتها المتهورة على كشف هذا الضعف.
ربما لهذا نحبها، لأنها تقول ما نخفيه، وتعيش ما نخاف أن نعيشه، وتدفع وحدها ثمن معركة داخلية يعرفها كثيرون ولا يجرؤون على الاعتراف بها، وليس دورهم أن يجدوا لها حلًا .. الحل في يد شيرين وحدها.





