ليس غريبا أن يعود اسم محمد فؤاد إلى الواجهة كمقابل لفكرة الاستمرارية؛ فالرجل الذي لم يغب صوته عن الذاكرة، حتى في أشد لحظاته سكونًا، يعود اليوم إلى الشاشة الكبيرة بعد 21 عامًا من الابتعاد، لا بوصفه نجمًا يبحث عن فرصة جديدة، بل كفنان يختبر ما تبقى من أسئلة قديمة كانت تُطرح في زمن مختلف.
تصريح محمد فؤاد الأخير عن فيلمه المرتقب "قلبي في نيويورك"؛ لا يجب التعامل معه كخبر عابر، بقدر ما يفتح بابًا واسعًا لإعادة قراءة مسيرته بين الغناء والسينما، باعتبارها مسارًا واحدًا متداخلًا، لا خطين متوازيين.
حين تحول الصوت إلى شخصية فنية متكاملة
منذ ألبومه الأول "في السكة" (1983)، وحتى الوصول إلى ألبوم "بين إيديك" عام 2010، بدا واضحًا أن محمد فؤاد لا يعتمد على مذهب الهيتات، ولا يبحث عن "ضربة سريعة" للنجاح، بل يرتكز على بناء طويل النفس؛ وخلال سنوات طوال تتابع خلالها طرح (19) ألبومًا، كان "فؤاد" ينجح كل مرة في بناء جسر جديد يزيد به مساحة رحبة إلى جماهيريته.
في تلك الألبومات، لم يكن فؤاد مجرد مطرب رومانسي، بل راويًا لمشاعر جمهوره، متلمسًا بأغنياته الحب، والخسارة، والقلق، والحنين، والفقد، وبلغة بسيطة يفهمها الشارع، لكنها ومع ذلك، لغة غير فقيرة.
أما السينما عنده فلم تكن مساحة لارتداء أقنعة شخصيات، بل لتأكيد صورة الإنسان في مواجهة عالم لا يرحم، لذا لم يكن دخوله مضمار الفن السابع خروجًا عن مساره الغنائي، بل امتدادًا له، والذي بدأه بدور صغير في "القلب وما يعشق" عام (1991)، قبل أن يلفت نظر المخرجين بقوة في ملحمة المخرج المصري خيري بشارة "أمريكا شيكا بيكا" (1993)، حين قدم نموذج الشاب المصري المصطدم بالواقع داخل بلده، الحالم بالسفر للخارج، فإذا به يصطدم بالعالم كله حين يعبر الحدود.
المثير، أن أفلام محمد فؤاد جاءت أكثر التصاقًا بالواقع، تمامًا كما في أغنياته التي يخاطب بها الشارع، ولعبت المصادفة دورًا في ترسيخ منهجه الموسيقي في تجربته السينمائية الثانية "إشارة مرور" (1995)، إذا دارت أحداث الفيلم كله في أحد شوارع القاهرة، وتحديدا بجوار إشارة مرور توقفت عن العمل نتيجة عطل، فأوقفت معها حياة مجموعة أشخاص داخل سياراتهم.
واستمرارًا لمحاولاته السينمائية، وافق فؤاد بعدها على الاشتراك في بطولة فيلم "يوم حار جدا" (1996)، والتي ترصد أحداثه تفاصيل المشاعر الإنسانية بواقعية شديدة، إلى أن جاءت المحطة السينمائية الفارقة في فيلم "إسماعيلية رايح جاي" (1997) والذي اقتبس خطه الدرامي الرئيسي من السيرة الذاتية لمحمد فؤاد نفسه، ولكن بشكل غير مباشر، ليفجر الفيلم مفاجأة مدوية ويحقق إيرادات قياسية لم تحقق من قبل في شباك التذاكر المصرية، ليدخل الفيلم التاريخ، ويكون بداية لموجة جديدة من أفلام الشباب، ويصبح محمد فؤاد منذ تلك اللحظة النجم السينمائي الجديد القادم من شارع الغناء.
انقطع محمد فؤاد بضع سنوات عن السينما، قبل أن يعود بفيلم "حالة حب" (2001)، ثم "هو في إيه؟" (2002)، ثم كان آخر ظهور سينمائي له قبل الغياب الطويل في فيلم "غاوي حب" (2005).
بعد 2005، خف حضور محمد فؤاد السينمائي، وفي الوقت نفسه تضائل حضوره الغنائي، في ظاهرة أثارت الكثير من الجدل حينها، ولكنه فسرها بنفسه لاحقًا في عدد من البرامج بـ"ظروف شخصية".
العودة من "نيويورك"
هذا الأسبوع كشف محمد فؤاد عن مشروعه السينمائي الجديد "قلبي في نيويورك"، مؤكدًا أن العمل في مراحله الأخيرة، وأن تصوير الجزء الأكبر من مشاهده تم بالولايات المتحدة، وأمريكا اللاتينية.
أمران مثيران في عودة "فؤاد" الأخيرة، الأول أنه رفض وصف الخطوة السينمائية الجديدة بـ"العودة"، معتبرا أن "تاريخه الفني ما هو إلا ظهيره الشعبي الذي يستند إليه، وأن "الجمهور لا ينسى من صنع أثرا فنيا حقيقيا"، حسب قوله.
الأمر الثاني، أن اختيار "فؤاد" لنيويورك كمدينة تدور على أرضها أحداث الفيلم لا يمكن وصفه بتفصيلة عابرة؛ فهي مدينة الهجرة، والصدام، والبحث عن الذات، وإعادة تعريف الهوية، وكلها مرادفات لطالما حضرت في أعماله بشكل أو بآخر، حتى وإن تغيرت الأماكن والظروف والمنتج.
مسيرة محمد فؤاد بين الغناء والسينما تؤكد أنه لم يكن أبدًا متعدد الاتجاهات بقدر ما كان صاحب مسار واحد، يتبدل شكله لا جوهره، فهو صوت الشارع حين يغني، و"ابن البلد" أمام الكاميرا، والإنسان حين يتوارى. أما عودته إلى السينما فليست مدفوعةً بالحنين إلى الماضي، بل يمكن اعتبارها بمثابة اختبار لمعنى الاستمرارية في زمن لم يعد يشبه ما مضى، وهنا تحديدًا يكمن رهانه الحقيقي.






