بدت لي عودة شيرين عبد الوهاب الأخيرة أقرب إلى حدث إنساني وفني معًا، خاصة أن غيابها الطويل ارتبط بأزمات شخصية وصحية دفعتها في لحظات كثيرة إلى حافة الاعتزال، أو على الأقل إلى منطقة فقدان الشغف والاستقرار الفني.
ولكن هذه العودة أثارت حالة من الجدل الجماهيري بين أصوات معجبة بأغنيتي "الحضن شوك" و "تباعًا تباعًا"، وآراء أخرى كانت تنتظر من شيرين ما هو أقوى وأكثر اختلافًا وتأثيرًا.
الحقيقة التي يجب أن يدركها محبو شيرين أن تقييم هاتين الأغنيتين بمنطق صناعة "الهيت" لن يكون مُنصفًا بشكل كامل، فلا يمكن الفصل بين كواليس صناعتهما في ظل حالة شيرين الإنسانية، وبين التقييم الفني لأننا أمام صوت يجاهد للخروج من حالة فقدان الاتزان.
تبدو أغنيتا "الحضن شوك" و"تباعًا تباعًا" وكأنهما محاولة لاستعادة لياقة شيرين عبد الوهاب الصوتية والذهنية قبل أي شيء آخر. محاولة لترميم العلاقة بين شيرين وصوتها، وبينها وبين الجمهور الذي اعتاد أن يسمع منها إحساسًا في صورة غناء.
هذا يمكن التقاطه بوضوح من طريقة أداء شيرين نفسها ، حيث تُغني من طبقة مُنخضة عن المعتاد، "البحة" الواضحة في بعض الجُمل، وإن كانت خدمت صدق الإحساس بالإنكسار والإرهاق!
ولكن هناك كواليس مهمة وراء هذه العودة، أبرزها الرهان الذي خاضه الثنائي عزيز الشافعي وتوما لصناعة أغنيات تناسب الحالة النفسية لشيرين، بدعم واضح من شركة Sony Music التي تعاملت مع المشروع باعتباره محاولة إنقاذ فني حقيقية، لا مجرد تعاقد جديد مع نجمة جماهيرية. وهو رهان يستحق التقدير، خصوصًا في ظل الأزمات القانونية والإنتاجية التي أحاطت بعلاقة شيرين بمعظم الشركات التي تعاونت معها سابقًا.
"الحضن شوك" رهان على الحُزن
في أغنية "الحضن شوك"، ثمة سؤال مهم يطرح نفسه: لماذا اختارت شيرين العودة بأغنية حزينة؟
والإجابة: أن هذا يبدو اختيارًا منطقيًا للغاية، ومتسق مع حالة شيرين وصورتها الحالية. الأغنية التي كتبها ولحنها عزيز الشافعي ووزعها توما، تأتي وكأنها مناجاة داخلية بين شيرين ونفسها، أو شكوى مُعلنة للجمهور تعترف فيها بوجعها على الملأ. وهذه تحديدًا هي نقطة القوة الأهم في صوت شيرين، أنه صوت قائم على الإحساس قبل استعراض القدرات، لهذا بدت وكأنها تراهن هذه المرة على هشاشاتها النفسية أكثر من الرهان على نجوميتها.
تبدأ الأغنية باعتراف مباشر: "عايزة أشتكي وأشكي وأترمي في حضن أقرب حد وأبكي"، ثم تتطور الكلمات تدريجيًا من مجرد شكوى عاطفية إلى تساؤلات وجودية وفلسفية: "عالم غريب أنا جيته ليه؟ مطلبتش أجي ولا بمزاجي كان النصيب".
هنا يلتقط عزيز الشافعي واحدة من أكثر "التيمات" الشعرية حضورًا في الأغنية العربية، الشكوى من النصيب والعالم والدنيا، صحيح أنه صاغها بحرفية تُناسب الحالة النفسية لشيرين، ولكن الأمر لم يخل من إعادة إنتاج لمفردات متداولة سابقًا.
لحنيًا، اعتمد الشافعي على مفهوم "اللحن التعبيري"، أي التعبير عن الكلمات بالنغم، لذلك جاء اللحن متعدد الجمل، يتحرك بين مذاهب وكوبليهات مختلفة وكأنه صيغ لخدمة الشعور أولًا، ولم يكن تيمة لحنية جاهزة كُتبت لها الكلمات. كل جملة لحنية هنا تحاول أن تترجم معنى الكلمات.
أما الموزع توما فقدم توزيعًا مناسبًا للحالة ومنسجمًا مع فلسفة اللحن بالأساس، اعتمد على قالب موسيقى الـ Lo-Fi التأملية، وهي جُنرة موسيقية تقوم على تصدير أصوت تخلق مساحة موسيقية مُعتمة تناسب الحالة السوداوية التي تسيطر على الأغنية. كما جاء صولو العود إضافة ذكية منحت العمل حسًا شرقيًا.
الخروج من الإنكسار "تباعًا تباعًا"
لكن يبدو أن الصدمة العاطفية التي خلقتها "الحضن شوك" دفعت الفريق سريعًا إلى النقيض في أغنية "تباعًا تباعًا"، وكأن شيرين قررت الخروج من دائرة الانكسار واستعادة جزء من روحها القديمة. وربما لهذا السبب تحديدًا تصدرت الأغنية قوائم الاستماع والتريند بشكل أسرع.
على مستوى الكلمات لعب عزيز الشافعي على عنصر المفاجأة باستخدام مفردات عربية فصحى داخل سرد عامي مثل : "تباعًا تباعًا"، "اندفعت اندفاعًا"، "استماعًا"، "وداعًا". وهي لعبة لغوية تجذب الأذن سريعًا، وقد استخدمها الشافعي سابقًا في أكثر من أغنية كتبها، مثل "مفتقدك بشدة" في أغنية "حياتي مش تمام"، أو "أنت أجمل ما رأت عيني" في أغنية "مش حبيبي بس".
لكن هذه اللعبة الذكية اصطدمت بعض مفرداتها بطريقة نطق شيرين لمخارج الحروف، خصوصًا في عبارة "انقطعت انقطاعًا"، التي بدت ثقيلة عليها، وكان يمكن استبدالها بمفردة أكثر سلاسة مثل "ابتعدت ابتعادًا".
لحنيًا، يتكون العمل من أربع جمل رئيسية تعكس المزج بين اللهجة المصرية والفصحى، وهو ما جعل بعض المقاطع اللحنية تميل إلى الروح الخليجية، خاصة في مقطع: "عيونك دوبوني.. نظرتك تهزم عيوني".
أما توزيع توما فاعتمد على قالب الـ "لاتين بوب" الممزوج بإيقاع خليجي خفيف، مع حضور البزق والجيتار، ليصنع حالة رومانسية مرحة أكثر من كونها أغنية "هيت" بالمعنى التقليدي.
تحدي أكبر من العودة
في النهاية، تبدو الأغنيتان بمثابة إعلان مبدأي عن عودة شيرين عبد الوهاب، لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق بأغنيتين ناجحتين أو متداولتين، بل بالاستمرارية.
الجمهور لا ينتظر فقط عودة شيرين، بل ينتظر استعادة مشروعها الفني كاملًا، عبر ألبوم متنوع يسترجع مكانتها كواحدة من أهم الأصوات النسائية العربية في الربع قرن الأخير.
ربما لم تعد شيرين حتى الآن بكامل قوتها، لكنها عادت بشيء أهم، وهو رغبتها في الغناء مجددًا، حتى لو جاءت هذه الرغبة في قلب العاصفة التي تعيشها.






