كلما أراد البوب المصري أن يجنح إلى التجديد، عاد بطريقة ما أو بأخرى إلى تراث الأجداد، وكأن الفولكلور الموسيقي والغنائي يملك في نغماته إكسير الشباب الذي يجدد دماء الأغنية، ويمنحها سحرًا يمس وجدان الجمهور فيدفعه للتفاعل معه تلقائيًا.
قد تبدو مفارقة غريبة في البداية، خاصة أن الموسيقى الشعبية التي تنتمي لذاكرة المصريين ومناسباتهم تبدو للوهلة الأولى أبعد ما يكون عن فكرة الهيت الحديث .
لكن تاريخ البوب المصري يقول عكس ذلك تمامًا، فأكثر التجارب نجاحًا في مد جسر من الألفة مع المستمع، كانت غالبًا تلك تضع قدمًا في الماضي وقدمًا في الحاضر، أي تمزج بين التراث والتطوير.
"لولا البنات" خلطة الهضبة بين الريف والبوب
تأتي أغنية "لولا البنات" لـ عمرو دياب كنموذج حي على هذه الفكرة، قبلها بعام استدعى عمرو دياب روح الفولكلور الصعيدي في أغنية "بابا" عندما جاء بالمزمار والربابة ليرافقا الإيقاع الإلكتروني المعروف باسم "دانس هول"، فصنع واحدة من أكثر أغنياته نجاحًا بلغة المنصات الرقمية.
أما في "لولا البنات"، لم يكتف دياب باستدعاء الريف المصري بصريًا، من خلال صورة النساء والملابس والأجواء الاحتفالية، وإنما استدعاه موسيقيًا في البدء، عندما صاغ لحنًا أقرب لإيقاعات أغاني "الحنة" والتراث الريفي الشعبي للنساء، وكلمات تحمل معاني مشابهة لما كان يقال فيها، ومزجه بتوزيع يمزج بين الصقفات والطبلة والربابة مع الإيقاع الإلكتروني الحديث.
وهنا تحديدًا تكمن الفكرة الأهم: عمرو دياب لا يقدم الفولكلور كما هو، ولا يحاول إعادة إنتاج أغنية شعبية قديمة. هو يأخذ ما بقي منها في الذاكرة، ثم يضعها داخل لغة موسيقية تنتمي إلى اللحظة الراهنة.
بالمناسبة لم تكن "بابا" و "لولا البنات" التجارب الأولى لعمرو مع هذه الفكرة ، ففي عام 2001 قدم لحظة موسيقية فارقة في مسيرته عندما نال جائزة "وورلد ميوزيك أوورد" للمرة الثانية في مسيرته عن أغنية "حبيبي ولا على باله". حينها جاء الهضبة بالتخت الشرقي، ومزجه بإيقاعات التكنو الصاخبة ليصنع توليفة موسيقية مُدهشة، وعكسها بصريًا في كليب استدعى خلاله مشاهد لرقصات شرقية قديمة وكأنه يمزج روح التراث الشرقي بصخب البوب الغربي.
منير .. حارس التراث النوبي
إذا كان عمرو دياب يعود إلى الفولكلور من أجل التقاط جملة موسيقية قادرة على العمل داخل أغنية بوب، فإن محمد منير جعل التراث نفسه جزءًا من هوية مشروعه.
طرح منير مؤخرًا أغنية "بيسألوا عنك" مذكرًا جمهوره بأعماله النوبية القادمة على نغمات السلم الخماسي، لكن النوبة عند منير لم تكن مجرد لون يضيفه إلى أغنية من وقت لآخر فكانت نقطة انطلاق.
منذ بدايته كان حاضرًا بالفلولكور النوبي الصريح مثل : "الكون كله بيدور" المستوحاة من "أسمر شريتو"، "قمر رحيلي"، "كدودة"، مرورًا بـ"سية سية"، وصولًا إلى "سو يا سو" و "في عشق البنات" و "شمندورة".
لم يتعامل منير مع الموروث النوبي باعتباره مادة متحفية، بل فتحه على الجاز والفانك والروك، واستفاد من التجارب التي جاء بها أحمد منيب ويحيى خليل وغيرهما ليصنع صوتًا مصريًا جديدًا .
المصريون.. وثورة الأغنية البديلة
لكن ما يبدو اليوم كأنه حيلة ناجحة لصناعة الـ"هيت"، هو في الحقيقة جزء من تاريخ أطول بكثير للبوب المصري.
في أواخر السبعينيات، ومع صعود الكاسيت والفرق الموسيقية الجديدة، حدث تحول آخر أكثر وضوحًا في علاقة الموسيقى المصرية بتراثها الشعبي.
مع فرقة "المصريين" والمشروع الموسيقي لهاني شنودة، ظهرت محاولة للتعامل مع الأغنية الشعبية باعتبارها مادة قابلة لإعادة التجريب والتهذيب أيضًا!
"متحسبوش يابنات" مثال على ذلك ، عندما استقى هاني شنودة جُملًا من أغاني "الحنة " الريفية، وطلب من صلاح جاهين إعادة كتابتها بمفردات مناسبة للأداء العام، ثم صاغ موسيقاها بلحن وتوزيع عصري ملام لزمن الكاسيت، مما جعلها واحدة من إيقونات الفريق الغنائية .
"توبة" عبد الحليم وإعادة تفكيك الفولكلور
قبل كل هذه التجارب، وقبل أن يُصك مصطلح "البوب" في الموسيقى العربية كان عبد الحليم حافظ أحد الفنانين الذين أدركوا أن الأغنية المصرية لا يمكن أن تظل أسيرة القالب الطربي التقليدي.
مع عبد الرحمن الأبنودي وبليغ حمدي، خرج عبد الحليم من منطقة الأغنية العاطفية التقليدية إلى مساحة أكثر واقعية وحركة في أغنية "التوبة"، استندت الأغنية إلى روح الموسيقية الشعبية الصعيدية، لكن بليغ لم يتعامل معها باعتبارها مادة تراثية فقط، بل أخذ ملامحها الأساسية وأعاد تركيبها داخل أغنية حديثة، أكثر إيقاعًا وحركة.
هذه واحدة من أهم "التجليات" التي صنعت أسطورة بليغ حمدي، فهو لم يكن يستورد الحداثة من الخارج فقط، بل كان يبحث عنها أحيانًا داخل الموسيقى المحلية نفسها، وهو ما فعله تمامًا في موسيقى وأغاني فيلم "شيء من الخوف".
من ويجز إلى روبي .. التراث بإيقاعات جيل زد
حتى مع تجارب جيل زد ، وأبناء عصر الراب والتراب والمهرجان، جاءت ملامح التراث في روح الإيقاع بالاعتماد على أصوات أقرب للمزمار والربابة والأرجول، وإيقاعات صاخبة تُشبه الزار مثل الموتيفات التي يعتمد عليها الوايلي كواحد من أبرز المنتجين الموسيقيين الآن.
حتى ويجز في بداياته جاء بأصوات أقرب لروح الزار في تراك "دورك جاي"، ومروان موسى استعان بإيقاعات حلقات الذكر القادمة من الموالد الشعبية في "حدوتة ألماني".
وعلى صعيد أصوات البوب الحديث ظهرت ملامح من تراث العشيرينيات في إصدارات روبي، حتى أنها استلهمت من طقاطيق "الخلاعة والدلاعة" منهجًا لرسم صورة غنائية لها ، ففي "نامت ننة" قدمت رؤية عصرية لطقايق منيرة المهدية ونعيمة المصرية مثل "نام يا سمسم" و "بعد العشا".
لماذا يعود البوب إلى "الفولكلور"؟
ربما لأن التكنولوجيا الموسيقية تتغير أسرع من ذاكرة الجمهور، لكن النغمة الشعبية التي حفظها الناس عبر أجيال تبقى حاضرة في الذاكرة .
يمكن أن تتغير الكلمات، ويتغير التوزيع، وتتبدل الآلات، ويصل الصوت إلى المستمع عبر سماعة هاتف بدلًا من شريط كاسيت أو الاسطوانة، لكن الجملة الموسيقية التي عرفها المصري من أمه أو جدته أو من فرح قديم، تظل قادرة على العودة من جديد ..كل ما تحتاجه هو فنان يعرف كيف ينفض عنها غبار الماضي دون أن يمحو ملامحها.






