لاشك أن منصات الموسيقى الرقمية أصبحت مخزنًا ثريًا يمكن من خلاله إعادة اكتشاف أرشيف الأغنية العربية كل يوم، لهذا يبدو ملفتًا أن جيل "زد" أصبح متعاطيًا لأغاني أسماء عديدة من نجوم الزمن الجميل، من بين هذه الأسماء وردة الجزائرية التي لم يدخل الجيل الجديد عالمها عبر أغانيها الأهم في الستينيات والسبعينيات، بل عبر أغانيها في التسعينيات مثل "حرمت أحبك" و "بتونس بيك".
أصبحت هذه الأغنيات نموذجًا حيًا لفكرة "الكتالوج الموسيقي" حين تواصل الأغنيات القديمة تحقيق ملايين الاستماعات بعد سنوات طويلة من صدورها، لأنها قادرة على إيجاد جمهور جديد خارج زمنها الأصلي.
القراءة المُنصفة لتجربة وردة تجعلها حالة فريدة بين أبناء جيلها، فهي المطربة الوحيدة التي استطاعت أن تعبر بسلام عبر أربعة أجيال موسيقية مختلفة، ممسكة بزمام التطور دون أن تفقد ملمحًا واحدًا من هويتها الطربية. لهذا ليس غريبًا أن تُبحر أغانيها الأحدث بين خوارزميات البحث وقوائم استماع الأجيال الشابة : لماذا؟
لأنها ببساطة كانت أكثر مطربات جيلها قدرة على إعادة اختراع نفسها .
تمرد السبعينات بأوتار بليغ حمدي
في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، كانت وردة أحد أهم أصوات المدرسة الطربية الحديثة مع الموسيقار بليغ حمدي. تشكلت صورتها الأساسية مع الأغنية الطويلة، الجملة اللحنية المتدفقة، الأداء الدرامي، والتطريب والحكي في ذات الوقت.
تجلى ذلك في أعمال مثل "العيون السود" و"خليك هنا" و "لو سألوك".
كان الزمن مناسبًا لهذا النوع من الغناء، التطريب لما يقرب النصف ساعة وأكثر، لكن الزمن لم يبق على حاله.
مع نهاية السبعينيات، ظهر الكاسيت كوسيط جديد غير قواعد اللعبة تمامًا، بل أعاد تشكيل ذائقة الجمهور بالكامل. فرض مدة زمنية أقصر على الأغنية، الإيقاع أسرع، والمنافسة أكثر شراسة. كثير من نجوم العصر الذهبي تعاملوا مع هذه التحولات باعتبارها تهديدًا، بينما تعاملت وردة معها باعتبارها واقعًا ينبغي فهمه.
المفارقة أن وردة كانت أول صوت نسائي في جيله يطل عبر شريط الكاسيت، عندما قرر المنتج عاطف منتصر صاحب شركة "صوت الحب" إنتاج شريط لوردة ضم أغنيتي "اسمعوني" و "دندنة".
صحيح أن هذه المرحلة شهدت استمرارًا مع بليغ، بل وتطورًا في ألحانه لها مثل "حكايتي مع الزمان"، "اشتروني"، "أنا مالي" ، "حنين"، و"وحشتوني"، إلا أن هذه الرحلة لم تستمر بعد طلاقهما، وهنا أعادت وردة اكتشاف نفسها مع "المجدد الأعظم" محمد عبد الوهاب.
قد يبدو هذا التعاون للوهلة الأولى امتدادًا للكلاسيكية، لكنه كان في الواقع محاولة ذكية لإعادة اكتشاف موقع وردة وعبد الوهاب في المشهد الموسيقي، كلاهما كان مؤمنًا بأن الموسيقى التي لا تتطور ستشيخ وتموت، فقدما معًا تجارب مهمة أبرزها "في يوم وليلة".
مخاطرة التسعينيات "حرمت أحبك"
إلا أن التحول الأهم لم يكن في الثمانينيات بل في التسعينيات. هنا ارتكبت وردة ما يمكن وصفه بأذكى مخاطرة فنية في مسيرتها.
بزغ اسم الملحن صلاح الشرنوبي الذي لم يتعامل معها بوصفها مطربة أسطورية يجب الحفاظ على صورتها كما هي، بل تعامل معها كفنانة ما زالت تملك مستقبلًا، وقادرة على المنافسة.
قدم لها أغنية "حرمت أحبك"، لحن راقص غير فلسفة وردة نفسها في الغناء، مالت للدلع أكثر من التطريب، وسرت الروح الشابة في حنجرتها مع حركة الإيقاعات.
وتم تصوير الأغنية كفيديو كليب من حفل لها في أشهر مسارح "باريس" وإذيع عبر شاشات التليفزيون فذاع صيت الأغنية أكثر، وعادت وردة لتنافس نجوم موسيقى الجيل.
وفي "بتونس بيك" قدمها الشرنوبي في لحن رصين شرقي يعيد للأذهان وردة القديمة، ولكنه لم يخل من سلطنة بروح التسعينيات جاءت عبر توزيع طارق عاكف
حتى طريقة أداء وردة في الأغنيتين بدت مختلفة، أقل استعراضًا، وأكثر مباشرة، وكأنها قررت أن تستخدم خبرتها الطويلة لخدمة الأغنية، لا العكس.
ولهذا تبدو تلك الأعمال، حتى اليوم، أطول "صلاحية" من أغنيات كثيرة صدرت في الفترة نفسها.
الخوارزميات لا تكافئ التاريخ
لهذا تلقي أمامنا وردة بعصاها السحرية عبر المنصات الرقمية، وتدفعنا للسؤال في حيرة: هل تكافيء الخوارزميات التاريخ؟
الحقيقية لا .. فعندما يصل مستمع في العشرين من عمره إلى "بتونس بيك" عبر يوتيوب أو منصات الموسيقى أو تيك توك ، فهو لا يستمع إليها باعتبارها "أغنية قديمة"، بل باعتبارها أغنية ما زالت تغازل منطقه وفلسفيته في الاستماع.
حتى في مطلع الألفية، ظلت مؤمنة بأن النجومية لا تعيش على الأمجاد القديمة. فجاء تعاونها مع الملحن وليد سعد والشاعر عوض بدوي في ألبوم "لو محتاجلي" والذي تصدرته أغنية "أنا ليا مين غيرك"، بل وصورتها مع شريف صبري مخرج كليبات عمرو دياب لتقدم وردة بلغة وصورة جديدة أدهشت الجميع.
حكى لي الشاعر عوض بدوي في لقاء سابق أن وردة لم تدخل هذه التجربة بعقلية النجمة التي تنظر لتاريخها، بل كفنانة تبحث عن المنافسة، حتى أنه خطط هو والملحن وليد سعد أن يسمعانها أغنية واحدة، فخرجوا من منزلها بعد أن اختارت 7 أغنيات من صناعتهما لأنها وجدت فيها لغة الجيل الجديد.
ربما كانت تلك هي موهبتها الحقيقية، ليست طبقات صوتها، ولا حضورها .. بل امتلاكها شجاعة نادرة في مراجعة صورتها وإعادة إنتاجها كلما تغير الزمن، فأصبحت وردة التي لاتذبل.






