كل بداية موسم رمضاني يتحسّس الصنّاع خطاهم لجذب انباه الجماهير بكل الطرق، سواء على المستوى الدرامي في المسلسلات المختلفة أو حتى الإعلانات التي تضع رهانًا قويًا على المشاهدة التلفزيونية لتقدّم أقوى ما لديها، وكلاهما لا يجد أنسب من الاعتماد الأولى على أغنية ملفتة هي أفضل الرهانات. وربما هذا ما فعله صنّاع إعلان "وادي دجلة" الذي يستهدف بيع وحدات سكنية شبابية الذي يبدو أقوى إعلانات الموسم حتى الآن لأسباب متعددة نحاول حصرها هنا.
التمثيل مع عصام عمر
أولى الرهانات الرابحة هي نقطة القوة الأولى وحائط الصد بطل العمل نفسه، الذي يقدّم مسلسلًا دراميًا في الموسم نفسه «عين سحرية»، يغني تتر بدايته ويجز. في المسلسل يقدّم عصام قصة شاب في مقتبل عمره يسعى للزواج، بينما يتعثّر بسبب أزمته المالية نسبيًا كعدد كبير من الشباب.
ومثل المسلس نسبيًا يأتي الإعلان الذي يجسّد فيه عمر جيلًا في مقتبل الثلاثينات، الذي بات من المفاجئ لبعضهم انتقالهم من مرحلة إلى أخرى، على رأسها التفكير في الزواج، وبالتالي الحصول على شقة.
وجه إعلاني محبوب ومناسب، لكن دون الاعتماد على ذلك فقط، بل تقديمه في سياق قصة محكمة، لا نكاد نسمع صوته فيها حتى، لكننا نُشاهد أداءً مذهلًا بوجهه البريء المرتبك.
الإخراج مع عمر المهندس
يقف خلف عصام عمر صانع رحلته الحقيقي، رفيقه في أعماله التي صنعته فعلًا بعد سنوات من الاجتهاد والمثابرة، وهو عمر آخر صنع معه أعمالًا مثل «بالطو»: انطلاقته الأولى والأهم، ثم «سيكو سيكو» الذي دشّنه رسميًا بطلًا في السينما والتلفزيون دون أدنى شك.
يختار المهندس سياقًا مثاليًا للقصة التي يبدو فيها عمر وسط أشخاص في مختلف الأعمار لكن أغلبهم من الجيل الأصغر، لكنه يبدو مرتبك، بطلًا ولا يفهم شيئًا تمامًا، شيء مثالي للتعبير عن أبناء الثلاثينات الذين طار بهم الزمن نسبيًا، وانتقلوا من مرحلة «الكابتن/البيبي» إلى «عمو/طنط».
يفسّر المهندس ذلك إخراجيًا بالتلصص على بطله الذي لا يصدق، فنراها تتتبّعه في كل مكان كأنّه يؤكّد شيئًا بصريًا لا يريد البطل المشاركة فيه أساسًا.
التصوير والموسيقى مع حمزون وأحمد طارق يحي
البطل الخفي في هذا العمل هو تصويره، الذي يحاول أن يجد بصمته وسط كل هذه العناصر التي تبدو مثالية. يجري المصوّر محمد حمزون خلف بطله بشكل مرن، تهتزّ فيه كاميراته تمامًا مثل البطل الذي تركض خلفه، تذهب وتجيء لتحقّق الارتباك خفيف الظل، ليس الذي يحقّق الخوف أو الألم.
ليست هذه المشاركة الأولى بين ألحان طارق وكلمات منّة، لكنها اليوم مختلفة لكليهما. الموسيقى هنا راقصة، جميعها تؤهّل إلى لحظة الذروة، الإجابة، والتحفيل. تعلو الموسيقى مع الكورال لتؤهّل لكل الضحك: دا عمو عمو عمو أهو/ كان لسه كابتن مين كبّره.
المؤدّي ماجد الكدواني
المذهل في إعلان كذلك أنّ لدينا فيه أغنية كاملة لديها بطل ومخرج، أن تأتي الكلمات من خلف الشاشة على لسان ممثل آخر لا مغنٍّ. شيء ملفت تمامًا يجب الإشادة به. يجسّد ماجد الكدواني كلمات الأغنية، لا يغنّيها. لديها مخارج حروف متلاعبة وساخرة، وجزء من بطولة العمل، عنصر مؤسّس لفكرة التلصص.
"مين يا دوب لسه معدّي التلاتين" جملة ساخرة بالقدر الكافي للإشارة إلى البطل بصوت آخر غير متنمّر، لكنه مضحك نوعًا ما. «مين طلع له شعرة بيضا من يومين» جملة مجسّدة بكل حروفها، كفاءة تمثيلية في كل حرف تثبت موهبة صاحبها ماجد الكدواني، كما تثبت فهمه للوسيط الصوتي كعنصر أساسي غير تكميلي.
التأليف منّة القيعي بمشاركة إبداعية من إسلام حسام
لدى منّة القيعي، كعادة كل عام، عدد غير قليل من المشاركات الغنائية في كل موسم. هذا العام بدأت مبكّرًا «ابتدت ليالينا» التي افتتحت بها نانسي عجرم ليلة المتحدة قبل رمضان مباشرة، ثم بدأت الموسم بتعاون جديد مع بهاء سلطان في تتر «سوا سوا»، ولديها أغنية تتر مسلسل «منّاعة» مع حوده بندق، وهو ما يثبت تنوّع حضورها. كذلك لديها تتر مسلسل «فخر الدلتا».
لكنها هنا، بمساعدة من أحد أعمدة صناعة الإعلان المصري، خفيف الظل إسلام حسام، كان لزامًا أن تأتي الرسالة الإعلانية خفيفة الظل حتى لا يُغضَب أصحابها. «مين كبر وهيشتري شقة؟» هذه هي الفكرة التي يجب أن تصل صوتيًا قبل أن تصل بصريًا. سؤال صعب علينا أن نتخفّف عندما نطرحه على أصحاب الشأن.
وربما لكل تلك الأسباب الأولى التي يأتي غيرها لاحقًا، تجعل هذا الإعلان أفضل إنتاجات أصحابها، كما يبدو أفضل إنتاجات الموسم حتى الآن.






