ثمانية أعوام مرّت على صعود موجة الهيب هوب الجديدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حاول فيها فنانو هذه الموجة الموازنة بين تقديم روح جنرا الراب كما يؤمنون بها، وتحقيق انتشار وتأثير موسيقي يتجاوز دوائرهم الصغيرة المعتادة.
من الاستعانة بأنماط موسيقية شعبية في الإنتاج، إلى الميل للأداء الغنائي وتخفيف حدّة الأداء الهجومي، وصل العديد من الرابرز إلى توليفة فنية ناجحة، لكن ظلت شريحة رابرز لجأت إلى طريق وعرة بالتحرك من قلب عناصر وملامح الراب وجذوره، مطوّرين من أساليبه وطرق تقديمه، ليتغير وقع تلقيها لدى المستمع العادي من الاستغراب والنفور إلى الإقبال.
ستو رعد: إعادة تعريف النجومية
من هذه الشريحة يبرز رابر استطاع، في مسيرة لم تتعدَّ خمسة أعوام، أن يترك بصمته في مشهد الهيب هوب العربي، تاركًا مرجعًا موسيقيًا للمواهب الجديدة القادمة من مشهد راب الشارع حول كيفية الانتقال من الهواية إلى الاحتراف: التونسي ستو رعد.
فقد استلهم الأدوات الأدائية المتنوعة والمختلفة من تقنيات الأداء الحي في تجمعات الهيب هوب، وفن الارتجال، وتقنيات المواجهات الثنائية، وغيرها من الأساليب التي ترتبط مباشرة بثقافة الراب. وقدّم من خلالها إصدارات متتابعة قوية تحمل شخصية فنية واضحة، ليُثبت أن الهيب هوب الخالص يمكنه بناء مسيرة كاملة، وأنه ليس مجرد محطة عابرة.
واستطاع من خلال نشاطه الدؤوب اللافت أن يصنع تأثيرًا واضحًا في المشهد التونسي امتد حضوره البارز إلى المشهد الشمال أفريقي، متعاونًا مع سمارا في تراك «تعب»، وإم سي أرتيزان في تراك «ريمونتادا»، وديدين كانون 16 في تراك «Les Z’hommes»، وغيرهم.
بيلبورد عربية غطست في أرشيف هذا النجم لمحاولة فهم كيف صنع أعماله وما الذي يجعل مشواره في 5 سنوات فقط ملفتًا للنظر.
رابر "هاند ميد" أصيل
الرابرز الموهوبون حقًا، فيما يتعلق بتنويع طرق الأداء والفلو، يشبهون لاعبي كرة القدم البرازيليين؛ يستمتع جميع المشاهدين بالكرة وهي بين أقدامهم، ويظنون أن ما يقومون به سهل، لأنه يظهر على الشاشة سلسًا ويُقدَّم بلا مجهود.
كذلك كان أسلوب ستو يعتمد بكثافة على التحكم في النفس وتنويع الأداءات بين الفلو شديد السرعة والفلو البطيء، وتمثيل المؤثرات الصوتية بفمه، مثل صوت المحرك «فررر» أو أصوات أخرى كـ«برررر»، كما يحل محل الكورس ويكرر كلمات الجسر بين الفيرسات بنفسه.
وفي كثير من التراكات، خاصة تلك التي تحمل روحًا هجومية، يميل أسلوبه إلى السجال المستخدم في مواجهات الراب، محافظًا على نمطه الانفعالي وإلقائه المتلاحق اللاهث دون الوقوع في فخ الرداءة. وقد يقدم في تراكاته عدًّا تنازليًا تمثيليًا، ودائمًا ما يعلّق على باراته وحالة أدائه بكلمات ساخرة أو تهكمية، وكأنه يقدم رد فعل مستمع. تجلّت هذه الأداءات في أقوى حالاتها في تراكات «تحكي برسمي»، و«هاي هاي هوو»، و«مستر بيست»، و«متمسك».
يدعم هذا التمكّن الصوتي حضورٌ بصري حماسي مفرط الحركة، لكنه محكوم بإطارات تحدده وتجعله مكثفًا. يستلهم ستو من شخصية «سليم شادي» التي قدمها إيمينيم تمثيلًا كاريكاتوريًا يستمد أجواءه وثيماته من الاسكتشات الكوميدية، ويقدّم انفعالات مبالغًا فيها لكن بشكل متقن. وقد تعاون رعد طوال مسيرته مع العديد من المخرجين المميزين، من بينهم على سبيل المثال لا الحصر يانغ ريفن، وشيدي جي بي، وسليمة بن قمرة.
قسوة على الذات للكتابة عنها
يميل ستو إلى أسلوب «الميم راب» التهكمي المتطرف، حيث يتعامل مع حياته في باراته وفيرسات تراكاته كأنها لعبة فيديو، يملك فيها كلما تعثر أو سقط أن يعيد المحاولة مرة أخرى. يضاف إلى ذلك التنويع في البرسونات المقدمة؛ فتارة يكون غير مكترث كما في «عندكش حاجة» أو «باي أور باي»، وتارة الشرير الظالم كما ظهر في «مستر سلطع»، وتارة الغاضب المنتقم كما في «لازم لازم»، وغيرها من الحالات.
بارات تتلصص على الصناعة
منذ تراك «مستر سلطع» عام 2020 وحتى تراك «مستر بيست» العام الماضي، تمركزت سردية ستو حول ذاته وعلاقته بالصناعة، وما ميّزها دائمًا أنها لم تبحث عن الصعبانيات، أو تركز على ثيمة الغدر حينما يتعلق الأمر بالفردانية والتعبير عنها.
يحلّل ستو شخصيات المحيطين به ليكتب عنهم؛ يظهر ذلك بوضوح في تراك «مش قوتلي جانغستا صاحبي!» حين يعرّي نرجسية خصمه كشخص متفرد بذاته، يزاحمه في اتخاذ القرارات، معبرًا عن هشاشته وزيف أفكاره الباحثة دائمًا عن التبجح والمفاخرة.
كما يتعرض، على سبيل المثال، للانجراف وراء نزوات الإنفاق بشكل يهدد الوضع المادي في البدايات، أو للتأثر الهوسي المرضي بأرقام المشاهدات والاستماعات، وهو ما يصفه في بار من تراك «ريمونتادا» بالتعاون مع إم سي أرتيزان بقوله: «مع اليوتيوب يعيشوا في عالم خيالي».
الخروج من دائرة المشاكسة والحفاظ على الجذور
بعد ذروة صعوده المهني، أضاف ستو إلى بيرسونا المشاغب سردًا ذاتيًا دراميًا، معبرًا بشكل أعمق عن مشاكل الشعور بالاغتراب، ومعنى الوطن بين الأصول والهجرة، والحياة في الأحياء الفقيرة، والعلاقة مع الأسرة، وخاصة مركزها المتمثل في الأم، وبالطبع القصص العاطفية.
ظهر ذلك في ألبومي «زهار» الصادر عام 2024، وألبوم «أورا» الصادر العام الماضي. وبعد التزامه سابقًا بألبومات يغلب عليها البوب والدريل والتراب الممزوج بالجنرات الفرعية الإلكترونية ذات الطابع العنيف لتقديم مواضيع تميل إلى الميم راب، انتقل إلى ألحان أكثر شاعرية، مثل الأفروبيت، أو إضافة عناصر لحنية جديدة لتراكاته، كريفات الغيتار الإسباني والبيانو.
وظيفة الرابر في نهاية الأمر هي أن يجعل الجمهور يقفز من الحماس في أدائه الحي. ستو، على الجانب الآخر، جعل الجمهور يقفزون من وراء الشاشات، مستنفدًا في ذلك كل مهاراته الممكنة، ليضع على طاولته أنماطًا مختلفة من المستمعين، ويثير فضولهم لكل جديد. ومستمعو الهاردكور يدينون لأمثاله بالحفاظ على جذور ثقافة الهيب هوب بكل معالمها، وبأقل قدر ممكن من المساومات.






