يملك أبيوسف أرشيفًا موسيقيًا ضخم حقًا، قد لا تجده على قنواته الموسيقية الرسمية على منصات الاستماع، إذ مر بفترات واظب فيها على حذفه أول بأول. لكن خطته في استبعاد تلك الأعمال لم ينجح، لأن الكثير من القنوات تعيد نشر هذا المحتوى تحت عنوان أبيوسف أولديز. المميز في أولديز أبيوسف أنها لا تجتمع في إطار فني واضح أو أسلوب واحد محدد، يجمعها مع ذلك كونها تجريبية في المقام الأولى، ثم أنها تحمل بصمة شديدة الأصالة.
في "نمشي من هنا" تلعب الموسيقى الدور الذي صرّح به أبيوسف في تعريفه للألبوم، بأنه سيكون أول عمل يعبر فيه عن نفسه بصدق، عاكسًا هذا التناقض بين النفسية المرهقة الراغبة في الرحيل والاستسلام من ناحية، المُعبر عنها بالآلات الكلاسيكية مثل كوردات الجيتار، في "يا ريم استني"، أو البيانو في "تايجر". ومن ناحية أخرى يستعرض الروح المفعمة بالعنف والإيجو، مازجًا بين العديد من الجُنرات الإلكترونية مثل الإلكترو والداب ستيب، أو الهاوس الصرف، وألحان الأولد سكول. أما في الأغاني التي تحمل مودًا واحدًا هو الموود النفسي الداخلي الشاعر بالوحدة، فيسود فيها التشيل تراب.
قاعدة أخرى ثابتة لدى ابيوسف هو أنه لا يهتم إن كان الووردبلاي القادم أو الإنسرت أو التعابير والاستعارات اللغوية ذات صلة بالمستمع ومألوفة بالنسبة له أم لا. يظهر قاموسه مفتوحًا على دهاليز أرشيف مقابلات الإذاعة والتليفزيون، وقد يقرر فجأة أن يبروز عملًا فنيًا من كلاسيكيات ماسبيرو كمسلسل "المال والبنون" وشخصية عباس الضو، أو يستعيد ذكرى نجمة من العقود الماضية مثل نادية الجندي، بكل ما تمثله من رمزيات.
كعادته تأتي أغاني الألبوم متأثرة بروح الفري ستايل أو منازلات السايفر. يُدخل تفاصيل شخصية من حياته داخل نسيج الأغاني لتضفي حالة من الخصوصية: "It's like طليقتي"، ويضع تركيبات بصرية كوميدية كما بقوله "بلعب رجبي مع بول مكارتني في مكتبة الشاطبي" في تراك "بيبي". يضيف تفاصيل حول أشياء تبدو خاصةً به فقط: "براب كأني ناشئ لسة في قهوة قشتمر بدرسها"، ليثير الفضول حول قهوة قشتمر تلك، وإن كان مقهى موجودًا بالفعل أم خيالي. لا يكبح أبيوسف نفسه انتقاد ظواهر أو استدعاء أسماء، سواء في عالم الهيب هوب سواء المصري أو العالمي، فنجده في تراك "ميكروويف" يفتح جبهة النقد على أسماء انتشرت مع بدايات الالفينات في الراب مثل MTM، أو أحمد الفيشاوي مشيرًا إليهم كظواهر نفس قصير من وجهة نظره، إلى جانب زاب ثروت والمنتج الموسيقي زايتي. كما لا يجد مشكلة في التفاخر في نفس الفيرس بإنتاجه موسيقيًا لأغنية كردي "Fuckin Widda Real"، أو أن يقول بأن فيلم "وش إجرام" لمحمد هنيدي كان فاشلًا، وأنه ينزعج من راب كندريك ودريك وليل واين. نسمع كل ذلك في فري ستايل "بيجاد"، الأغنية الوحيدة التي لم ينتجها هو بنفسه من الألبوم وقام بإنتاجها دكتور معجزة.
يحتوي الألبوم أيضًا على العديد من ألعاب الوورد بلاي ذات المعاني المزدوجة، ببارات متتابعة بدون فواصل ولها رايم سكيم متسارع واحد. كما أن بعض الأغاني مثل "بيبي" مثلًا قد تحمل أكثر من مستوى في أوزان القوافي، فهي تبدأ بوزن ثنائي، منتقلة لوزن رباعي، قبل أن يحولها بعد الفواصل لأسلوب الفريستايل بكل تفاصيله، كإعادة الفيرس مرة أخرى للاسترسال، أو الضحك بسخرية، وغيرها من ردود الأفعال الكلامية والصوتية التي تُترك دون فلترة.
في "نمشي من هنا" عودة للألبومات شديدة التجريبية من أبيوسف، حيث لا فلاتر ولا مساحات رمادية، والكثير من الألحان والتوزيعات المتعددة الأنساق، في نمط موسيقي لمنتج ورابر له خبرة بالتجريب تتجاوز المئة أغنية، ولا يؤمن بوجوب أن يقدّم في أي مرحلة من مسيرته حكمة أو خلاصة، لأنه سيظل محافظًا على أسلوبه العابث، وممسوسًا بروح فريستايلات السايفرز.





