لم تدخل داليا مبارك موقع تصوير غلاف بيلبورد عربية لشهر مارس كنجمة غلاف فحسب، بل وصلت كامرأة تحمل يومها كله معها. برفقة ابنتيها، ليلي وجاز، بدا المشهد امتدادًا طبيعيًا لحياتها كما تعيشها فعلًا: بين الأمومة، العمل، والإبداع، كل شيء كان حاضرًا دفعة واحدة.
داليا امرأة تبدو مألوفة بسرعة. ولوهلة، يشعر من يتعامل معها أنه أمام شخص لا يعرف التكلف. لكن سرعان ما تتضح الصورة الأكبر، لنجد أنفسنا أمام امرأة تهندس حياتها على طريقتها، وصوت لا يبدو مترددًا في ما يختاره.
بين تبديل الإطلالات، ومتابعة التصوير، والالتفات إلى طفلتيها باستمرار، كانت داليا تحاول أن تمنح كل من حولها شيئًا من وقتها ودفئها، حتى في أكثر لحظاتها ازدحامًا، لا تبخل بابتسامة.
أمام هذا المشهد، بدأت عناوين الغلاف تتزاحم في رأسي تلقائيًا. لكن الصورة كانت مكثفة للغاية؛ هناك أولًا داليا الأم، ثم المرأة، ثم الفنانة التي رسخت حضورها كأحد أبرز الأصوات السعودية في مساحتها الخاصة. وفوق هذا كله، مبدعة تواصل رحلتها في وجه مرحلة استثنائية يعيشها الوطن العربي.
ولهذا تحديدًا، بدا حضورها على غلاف مارس في مكانه تمامًا.
ففي الشهر الذي يلتقي فيه يوم المرأة بعيد الأم، اكتسب هذا الاختيار معنى إضافيًا، لا سيما أنه يأتي في مرحلة مهنية لافتة بالنسبة لها: ألبوم جديد يقترب، وظهور منتظر في النسخة العربية من "ذا فويس كيدز"، في وقت تبدو فيه داليا أقرب إلى نفسها من أي وقت مضى.
منذ منتصف العقد الماضي، بنت داليا مبارك مسارًا يتقدم بهدوء. تجرب، تنتج، تغامر بين اللهجات، وتتعامل مع الإنتاج والبصريات بوصفهما امتدادًا للصوت لا مجرد إطار له. وفي كثير من أعمالها، بدا أنها تدفع الأغنية السعودية إلى منطقة أكثر جرأة، سواء في اختيار النصوص، أو في طريقتها في تطويع القصيدة الخليجية والغزل النسائي داخل شكل موسيقي معاصر.
هي أيضًا أول فنانة سعودية شابة تجلس على كرسي التحكيم في "ذا فويس كيدز"، كما كانت أيضًا أول فنانة سعودية تصل إلى بيلبورد غلوبال. حين ذكّرتها بذلك، ظهر على وجهها شيء من الدهشة الصادقة، كأنها تسمع هذه الحقائق عن نفسها للمرة الأولى. قالت لي خلف الكاميرا، بنبرة بدت أقرب إلى التساؤل منها إلى الفخر: "لم أكن أنتبه لهذا من قبل… هل كان علي؟ ربما."
وبالقدر نفسه من الصدق الذي دار به الكلام خلف الكاميرا، مضى الحوار أمامها أيضًا.
كان واضحًا منذ البداية أن داليا لا تترك مساحة كبيرة للحوارات "المرتبة". وفي كل مرة كان الحديث يقترب من تلك المنطقة المصقولة التي تميل إليها الحوارات الفنية عادةً، كانت تعيده هي، بعفوية شبه غريزية، إلى مكان أكثر صدقًا وأقل تكلفًا.
أيا كانت الزاوية، كان الصدق محورها، خاصة أن الحديث مع داليا لا يمكن أن ينحصر في حدود "المشروع الفني" لأن الشخصية، هنا، تفرض نفسها بذات القدر. لذا كان لا بد من قراءة متأنية لأعمالها والروابط بينها وحياتها الشخصية. ومن هنا ظهرت الفكرة: ماذا لو قرأنا داليا من خلال أعمالها؟
من "قمة طموحي" إلى "يا حاسدي"، ومن "أنت كوني" إلى "طمني عليك"، بدت هذه العناوين كأنها شذرات من سيرة ذاتية، كل منها يفتح بابًا صغيرًا على طبقة مختلفة من شخصيتها: الطموح، التحدي، الحساسية، الغضب، الخيبة، والرغبة المستمرة في استعادة التوازن، وإمساك زمام حياتها بنفسها.
ومع تقدم الحوار، بدأت هذه الطبقات تتكشف بوضوح أكبر. المرأة التي حضرت بعفوية وطاقة مشرقة، حملت في حديثها أيضًا أثر جروح قديمة ومراحل لم تكن سهلة أبدًا: تجربتا زواج، خيبات، اصطدامات مع الوسط الفني، ولحظات بدا فيها التراجع أقرب من الاستمرار.
وفي وجه هذه المطبات كلها، عاشت داليا مسيرة حافلة بالنجاحات أيضًا، آخرها تجربتها الجديدة في "ذا فويس كيدز"، والذي وصفته بأنه "إشارة إلهية" للاستمرار، بعدما كانت قد اقتربت من اتخاذ قرار الاعتزال.
ومع هذه الانتعاشة كما وصفتها، تبدو ملامح المرحلة الجديدة في حياتها أكثر وضوحًا مع اقتراب ألبومها المنتظر، الذي يحمل تنوعًا أوسع في اللهجات والاتجاهات الموسيقية، من بينها حضور اللهجة العراقية، إلى جانب المصرية التي أتقنتها على مدار السنوات، وفتحت لها بابًا واسعًا نحو جمهور عربي أوسع.
وهنا، بدا السؤال الأهم: هل نحن أمام داليا أكثر تحررًا من أي وقت مضى؟
في نهاية اللقاء، لم تكن تختصر داليا نفسها باعتبارها فنانة فقط، ولا أمًا، ولا حتى امرأة تحمل "قصة ملهمة" بالمعنى المستهلك للكلمة.
ما بقي منها بعد المقابلة كان شيئًا أكثر ندرة: امرأة استعادت مركز حياتها، وتوقفت، أخيرًا، عن محاولة أن تكون ما يتوقعه الآخرون منها، وبدأت، ببساطة، في أن تكون نفسها.
وربما لهذا السبب تحديدًا، بدا هذا الغلاف في مكانه تمامًا.

