اختير الفيلم السعودي "مسألة حياة أو موت" لتمثيل المملكة العربية السعودية في المنافسة على جائزة أفضل فيلم دولي ضمن الدورة الـ99 من جوائز الأوسكار، في خطوة جديدة تعكس اتساع التجارب الفنية التي تقدمها السينما السعودية، وتنوع الأساليب التي يعتمدها صناعها في تناول الموضوعات الاجتماعية والإنسانية.
الفيلم من إخراج أنس باطهف، وكتابة وبطولة سارة طيبة إلى جانب يعقوب الفرحان، وتدور أحداثه في جدة حول "حياة"، التي تعتقد أن لعنة عائلية ستنهي حياتها عند بلوغ الثلاثين، قبل أن تتقاطع حياتها مع "يوسف"، جرّاح القلب الذي ينظر إلى العالم بمنطق مختلف. ومن هذه العلاقة، يبني الفيلم عالمًا يجمع الرومانسية والكوميديا السوداء والغرائبية، ويتناول الخوف من الموت والحب والصدمات المتوارثة.
وقد أثار العمل ردود فعل متباينة، بين إشادات بخصوصيته البصرية والموسيقية وجرأته في تقديم تجربة مختلفة، وملاحظات نقدية حول إيقاع السرد والسيناريو.
وفي مقابلة خاصة مع بيلبورد عربية، يتحدث المؤلف الموسيقي فراس أبو فخر عن تجربته في صناعة موسيقى الفيلم، والتحديات التي فرضها عالمه غير المألوف، ودلالة اختياره لتمثيل السعودية في سباق الأوسكار.
من السيناريو إلى الموسيقى: كيف بدأ التعاون؟
يمثل "مسألة حياة أو موت" التعاون الثاني بين فراس أبو فخر والمخرج أنس باطهف والكاتبة سارة طيبة، بعد مسلسل "جميل جدًا" الذي جمعهم عام 2023.
ويوضح أبو فخر أن العمل على الموسيقى بدأ مبكرًا، فور اكتمال السيناريو، إذ تبادل مع المخرج صورًا وألوانًا وأفكارًا بصرية وموسيقية، قبل أن يبدأ في صياغة جمل قصيرة على البيانو وتحديد الثيمات المرتبطة بالشخصيات والأماكن والعلاقات داخل الفيلم.
وكان التحدي الأساسي إيجاد لغة موسيقية تجمع عالمين متناقضين: عالم "حياة" الذي تحكمه المعتقدات واللعنات والمشاعر، وعالم "يوسف" الذي يستند إلى العلم والحقائق والمنطق.
ولهذا، اعتمد أبو فخر على الأوتار والأوركسترا للتعبير عن الجانب العاطفي لشخصية حياة، مقابل الآلات الإلكترونية والسينثسايزر وآلات الإيقاع الإلكترونية للتعبير عن أفكار يوسف ورؤيته للحياة.
وبذلك، لم تقتصر الموسيقى على مرافقة الأحداث، بل أصبحت وسيلة لتقديم الاختلاف بين الشخصيتين، قبل أن تتقاطع رؤيتاهما داخل الحكاية.
موسيقى تُحس أكثر مما تُسمع
يصف أبو فخر الموسيقى التصويرية بوصفها عنصرًا ينبغي أن يدعم المشهد من دون أن يفرض مشاعر إضافية على المتفرج، وهي الفلسفة التي اعتمد عليها في معظم مشاهد "مسألة حياة أو موت".
ويقول في حديثه لبيلبورد عربية: "الموسيقى التصويرية هي موسيقى غير مسموعة تقريبًا، موجودة غير مسموعة، بس بينحس فيها".
ويشير إلى أن نحو 85% من موسيقى الفيلم تقوم على هذا المبدأ، بينما تتطلب بعض المشاهد حضورًا موسيقيًا أكثر وضوحًا.
وكانت مشاهد الأحلام من أبرز التحديات التي واجهته، نظرًا لما تحمله من رموز وإشارات إلى تطور الأحداث. وقد دفعته هذه المشاهد إلى مواصلة تطوير الموسيقى حتى بعد العرض الأول للفيلم في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، حين أعاد الفريق مشاهدة العمل على الشاشة الكبيرة أمام الجمهور، ثم عاد لإجراء تعديلات موسيقية بهدف الوصول إلى التأثير العاطفي المطلوب.
هل يجب أن تعكس الموسيقى الهوية العربية؟
في فيلم سعودي يتجه إلى المنافسة العالمية، قد يبرز سؤال حول حضور الآلات والألحان العربية في موسيقاه. لكن فراس أبو فخر يؤكد أن هذا الاعتبار لم يكن نقطة انطلاقه أثناء التأليف.
فالأولوية بالنسبة إليه كانت للمتطلبات الدرامية والحالة النفسية للشخصيات، وليس لاختيار آلات أو ألحان تنتمي بالضرورة إلى هوية جغرافية محددة.
ويلخص منهجه بقوله: "دايما التفكير إنه شو الأفضل للعمل، شو اللي بيوصل المشاعر تبع العمل".
ويرى أن لكل فيلم عالمه الخاص وأسئلته وقواعده الفنية، وأن الموسيقى ينبغي أن تنطلق من هذه العناصر. وفي "مسألة حياة أو موت"، كانت الأولوية لبناء إحساس موسيقي ينسجم مع الحالة النفسية للشخصيات والطابع السريالي والفانتازي للأحداث.
ماذا يعني اختيار الفيلم لسباق الأوسكار؟
يرى فراس أبو فخر أن اختيار "مسألة حياة أو موت" لتمثيل السعودية يعكس تطور المشهد السينمائي العربي، ولا سيما أن الفيلم ينتمي إلى تجربة كوميدية رومانسية سريالية، تختلف عن القوالب التقليدية المتوقعة من هذا النوع السينمائي.
كما ينظر إلى المشاركة في سباق الأوسكار بوصفها فرصة لتعريف جمهور أوسع بالتجارب السينمائية العربية، وتشجيع المشاهدين خارج المنطقة على اكتشاف القصص التي يقدمها كتابها ومخرجوها وممثلوها.
ويقول: "بالفعل خطوة كبيرة يعني الناس تسمع عن الأفلام اللي عم تطلع من العالم العربي".
ومع اختيار الفيلم رسميًا لتمثيل السعودية في فئة أفضل فيلم دولي، تبدأ مرحلة جديدة من رحلته، من دون أن يعني ذلك حصوله على ترشيح نهائي من الأكاديمية حتى الآن.
وبين خصوصيته البصرية وعالمه الغرائبي والموسيقى التي صممها فراس أبو فخر لخدمة شخصياته، يقدم "مسألة حياة أو موت" نموذجًا لتجربة سعودية تسعى إلى تطوير لغتها السينمائية الخاصة، بينما يفتح حضورها في سباق الأوسكار نافذة إضافية أمام وصول هذه التجارب إلى جمهور عالمي أوسع.

