مع اقتراب الاحتفال بالعيد في الخليج، اعتاد المستمعون أن يلتقطوا أولى إشارات الفرح من أغنية تتكرر كل عام تقريبًا، حتى أصبحت جزءًا من المشهد الصوتي لهذه المناسبة، تلك الأغنية هي "ومن العايدين ومن الفايزين" لفنان العرب محمد عبده.
ومنذ ظهورها في مطلع السبعينيات، ظلت الأغنية حاضرة في الإذاعات والبرامج التلفزيونية مع كل عيد، وكأنها تحية موسيقية تسبق صباحه، أو رسالة تهنئة جماعية تتجدد عامًا بعد آخر، في زمن لم يكن يعرف بعد رسائل الواتساب والسوشال ميديا.
ورغم مرور 55 عامًا على تسجيلها الأول، لم تنجح أغان كثيرة في منافسة مكانتها أو إزاحتها من موقعها الرمزي في هذه المناسبة، لتظل هذه الأغنية أيقونة الاحتفال بالأعياد طوال هذه السنوات.
تسجيل القاهرة
ولدت الأغنية في مرحلة مبكرة من مسيرة محمد عبده، حين كان لا يزال في سنواته الأولى داخل عالم الغناء، ففي عام 1971 سافر محمد عبده إلى القاهرة، وسجل الأغنية هناك بالتعاون مع الشاعر إبراهيم خفاجي، الذي كان أستاذه وصاحب تأثير واضح عليه في بداياته الفنية.
كتب خفاجي نصًا بسيطًا في لغته، لكنه عميق في دلالته، إذ لم يكتف بتهنئة تقليدية بالعيد، بل رسم مشهدًا اجتماعيًا كاملًا يعكس روح المناسبة، حيث يجتمع الناس على الفرح وتبادل التهاني، وتختفي الفوارق بينهم في لحظة احتفال مشتركة.
أما اللحن، فقد تولى محمد عبده صياغته بنفسه، في تجربة مبكرة كشفت عن قدرته على بناء جملة موسيقية ترتبط بالمناسبة وتبقى في الذاكرة.
البناء الموسيقي
اعتمدت الأغنية على مقام الحسيني، وهو أحد المقامات القريبة لدى المستمع العربي من السلم الموسيقي الشرقي، ويتميز بقدرته على الجمع بين الطابع الاحتفالي والنبرة العاطفية في آن واحد، ما منح الأغنية طابعًا احتفاليًا واضحًا يتناسب مع أجواء العيد.
جاء توظيف المقام بسيطًا وواضح البناء، ما جعل اللحن سريع الالتصاق بالذاكرة، فالإيقاع المتوازن والجملة الموسيقية المفتوحة في اللازمة الرئيسية منحا الأغنية قدرة على الانتشار والتكرار، وهو ما ساعدها على الاستمرار في التداول عبر الأجيال.
كما أن اختيار هذا المقام أضفى على العمل طابعًا قريبًا من المزاج الشعبي، وهو ما يتماشى مع فكرة النص الذي يحتفي بالعيد باعتباره مناسبة تجمع الناس على اختلاف طبقاتهم وأحوالهم.
هذا المقام عادة يمنح الجملة الموسيقية حالة من الصفاء والاتساع، ويتيح للمطرب مساحة للتعبير عن الفرح دون أن يفقد العمل مسحته الإنسانية الهادئة، ولهذا يبدو مقام الحسيني مناسبًا لأجواء المناسبات الاجتماعية التي تجمع بين البهجة والحنين، مثل الأعياد.
كلمات تستحضر الناس
تميز نص الأغنية بروح اجتماعية واضحة، إذ لم يقتصر على وصف الفرح بالمناسبة، بل أشار إلى فكرة المشاركة الإنسانية التي تميز أيام العيد.
ففي أحد مقاطعها يرد المعنى الذي يلخص فلسفة النص: أن السعادة لا ترتبط بالمظاهر أو الثياب الجديدة، بل بنية الفرح نفسها، وهي فكرة جعلت الأغنية أقرب إلى وجدان الناس على اختلاف طبقاتهم.
كما اختتمت الأغنية ببيت يحمل تهنئة رسمية بالمناسبة، في تقليد كان حاضرًا في بعض الأغنيات الاحتفالية في تلك الفترة.
مسحة إنسانية
ورغم أن الأغنية تبدو في ظاهرها احتفالية صافية، فإنها حملت أيضًا جانبًا إنسانيًا مؤثرًا، فكثيرون ربطوا كلماتها بذكريات شخصية أو بمشاعر مرتبطة بمن غابوا عن العيد، كما ارتبطت في الذاكرة العامة بمن لا يعيش فرحة المناسبة بالطريقة نفسها.
لهذا بدت الأغنية، بالنسبة لعدد كبير من المستمعين، وكأنها تجمع بين الفرح والحنين في الوقت ذاته، أغنية تحتفل بالعيد، لكنها لا تنسى أولئك الذين يمر عليهم العيد مثقلًا بالذكريات.
عودة بعد 47 عامًا
في عام 2018، وبعد مرور ما يقرب من نصف قرن على تسجيلها الأول، قرر محمد عبده العودة إلى هذه الأغنية التي أصبحت علامة في مسيرته، وأعاد تسجيلها بصيغة حديثة.
حمل التسجيل الجديد توزيعًا موسيقيًا معاصرًا، لكنه حافظ على روح اللحن الأصلي، في محاولة لإعادة تقديم الأغنية للأجيال الجديدة، دون أن تفقد ملامحها التي عرفها الجمهور، لتظل باقية في الذاكرة الفنية، دون أن ترتبط بزمن محدد، وتصبح قطعة موسيقية وجزء من طقوس العيد نفسه.
تقليد ثابت
مع مرور السنوات، لم تبق أغنية "ومن العايدين ومن الفايزين" مجرد عمل غنائي ناجح في مسيرة محمد عبده، لكنها تحولت تدريجيًا إلى علامة صوتية مرتبطة بلحظة بعينها في الذاكرة الجماعية.
في الإذاعات والقنوات الخليجية، اعتاد المذيعون مع اقتراب إعلان ثبوت الهلال وبداية العيد أن يفتتحوا البث الاحتفالي بهذه الأغنية تحديدًا، ومع تكرار هذا التقليد عامًا بعد عام، أصبحت الأغنية لدى المستمعين بمثابة الإشارة غير الرسمية لبدء أجواء العيد.
هذا الحضور المتكرر رسخ العمل في الوجدان الشعبي، حتى إن كثيرين باتوا يربطون بين سماعها وبين اللحظات الأولى لصباح العيد، تمامًا كما ترتبط بعض الطقوس العائلية أو العبارات التقليدية بهذه المناسبة.






