في مشهد موسيقي متخم بفرط المحتوى الرقمي، برزت فرقة الروك الكندية Angine de Poitrine، التي تحوّلت خلال وقت قصير إلى ظاهرة متداولة على الإنترنت، ليس فقط بسبب مظهرها الغريب، بل بسبب التداخل غير المتوقع بين الشكل والتقنية في تجربتها.
اسم الفرقة بالفرنسية ويعني "الذبحة الصدرية"، يبدو بدوره امتدادًا لهذا المزاج الدرامي، مزحة عن أول انطباع قد تتركه الفرقة على أي شخص يشاهدها للمرة الأولى. لكن الاسم وحده لا يفسّر حالة الفضول التي تحيط بها، ولا يبرر الانتشار السريع لمقاطعها على منصات مثل إنستغرام وتيك توك.
هوية بدأت كمصادفة
لم تكن الهوية البصرية اللافتة للفرقة جزءًا من رؤية فنية طويلة المدى، بل نشأت من ظرف بسيط. كان أعضاء الفرقة الذين يعملوان معًا من عشرين عامًا على موعد مع حفلين متتاليين في الأسبوع نفسه، فاختاروا الصعود إلى المسرح متنكّرين، لتفادي تكرار التجربة أمام جمهور قد لا يجد سببًا لحضور العرض مرتين.
ما بدأ كحل عملي سرعان ما تحوّل إلى عنصر ثابت في العرض، ثم إلى هوية بصرية متكاملة. الأقنعة لم تعد مجرد وسيلة إخفاء، بل صارت جزءًا من التجربة نفسها، ومفتاحًا أوليًا لقراءة ما تقدمه الفرقة.
بين فخ الغرابة وغياب الـ AI
ورغم أن الأقنعة هي أول ما يلفت النظر، إلا أن جوهر التجربة يكمن في الموسيقى ذاتها. تعتمد الفرقة على تركيبات إيقاعية معقّدة تنتمي إلى عالم Math Rock، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمزجها بعناصر من السايكدليا، والفانك، والبروغريسيف روك ضمن أداء تقني عال، يضع العازفين في مواجهة مباشرة مع حدود الآلات التي يستخدمونها.
من أبرز هذه العناصر استخدام آلة مزدوجة الرقبة (Double-Neck Instrument) تجمع بين الغيتار والبيس، يتنقل بين العازف بسرعة مرعبة تكاد تجعل المشهد يبدو وكأنه خدعة بصرية. هذا التفصيل لا يبدو مجرد استعراض تقني، بل جزء من بنية موسيقية تقوم على التداخل المستمر والتبدّل المفاجئ.
إلى جانب ذلك، تعتمد الفرقة على غيتار Microtonal، أي أنها تعمل ضمن نظام موسيقي يتجاوز الاثنتي عشرة نغمة التقليدية، ليصل إلى أربعة وعشرين تقسيمًا صوتيًا. والنتيجة هي صوت يتأرجح بين المألوف "والنشاز"، ويمنح المستمع إحساسًا دائمًا بعدم الاستقرار، من دون أن يفقده تمامًا.
هذا التوازن بين الغرابة الشكلية والتعقيد التقني هو ما يميز Angine de Poitrine عن كثير من المشاريع المشابهة التي ظهرت في السنوات الأخيرة. وسط كل هذه الأقنعة، والتقنيات، والتفاصيل البصرية، هناك عنصر واحد أساسي يلتقطه كثيرون عند مشاهدة الفرقة، حتى قبل فهم موسيقاها بالكامل:
لا يوجد AI هنا.
وفي وقت أصبحت فيه صور الفرق، والهويات البصرية، وحتى بعض "الغرابة" نفسها، تُصنع اليوم بسهولة عبر الذكاء الاصطناعي، يترك أعضاء الفرقة المساحة كاملة لتقنياتهم، وعزفهم، وتفاصيلهم الموسيقية، كي تلمع وحدها من دون "فلتر" إضافي.
ظاهرة رقمية… أم تجربة قابلة للاستمرار؟
انتشار الفرقة على الإنترنت يطرح سؤالًا يتكرر مع كل ظاهرة موسيقية صاعدة: هل نحن أمام تريند عابر، أم مشروع قادر على الاستمرار؟
الجواب لا يزال مفتوحًا، لكن ما يبدو واضحًا حتى الآن هو أن Angine de Poitrine نجحت في تحقيق معادلة صعبة: أن تجعل المتلقي يتوقف، ليس فقط بسبب ما يراه، بل بسبب رغبته في فهم ما يسمعه.
في زمن تتحرك فيه الأغاني بسرعة بين المقاطع القصيرة والخوارزميات، قد يكون هذا التوقف بحد ذاته هو الإنجاز الحقيقي.

