في الأغنية العربية الحديثة، توجد أسماء قليلة جدًا نجحت في ملعبي الغناء والتلحين، غير أن من بدأها ملحنًا ذاب سريعًا في صورة المُغني النجم وتقلصت ألحانه، ومن تمسك بالوجهين (المطرب والملحن) تأرجح بين هويتين لم تلتقيا بوضوح إلا نادرًا. لكن تجربة رامي صبري بدت مختلفة. فهو لم ينظر إلى نفسه يومًا باعتباره ملحنًا تقليديًا، بل مطربًا في الأساس استخدم التلحين طريقًا لإيصال صوته إلى الجمهور.
هناك مفتاحان رئيسيان لأبواب مشروع رامي صبري الغنائي: الصوت واللحن. وقد امتلك الاثنين بتمكن واضح منذ البداية، حتى بدا وكأن ألحانه هي الصفحة التي رسم عليها ملامح هذا الصوت، ومنها تعرّف عليه الجمهور لأول مرة.
السبب الرئيسي في ذلك دراسته للتأليف الموسيقي في المعهد العالي للموسيقى، حيث امتلك منذ البداية المعرفة التي مكنته من فهم أبعاد صوته، ومناطق قوته، فصاغ ألحانًا تلائم هذه المساحة وطريقة الأداء، وكأنه لا يلحن أغاني فقط، بل يلُحن طريقة أدائه هو ويفرض شخصيته.
هذا يُفسر ما قاله رامي صبري عن شخصيته كملحن، حين بدأ رحلته بتلحين أغانيه الأولى سعيًا لتقديمها بصوته، لكن مع تأخر التحضيرات والعثرات الإنتاجية، أصبح تقديم ألحانه بأصوات نجوم الساحة طريقًا أسرع لتعريف الوسط الفني والجمهور باسمه، وهنا تحديدًا كان صوت عامر منيب هو كلمة السر.
خبرة التلحين عبر أصوات أخرى
المُلفت أن إنطلاق رامي صبري كمُلحن لفنانين آخرين أكسبه قدرة على التنويع، وامتلاك مفاتيح عدة مدارس لحنية، نرى ذلك في نوعية الألحان التي قدمها لعامر منيب في ثماني أغنيات أولها "ليالي" بلحن إيقاعي سريع.
ثم قدم لونًا دراميًا مُختلفًا مع أصالة في أغنيات مثل "بين إيديك" ودويتو "مش فاكر ليك" الذي غنياه سويًا.
كما أظهر عن وجه شرقي وطربي في ألحانه عندما صاغ لشيرين عبد الوهاب لحن أغنية "مش عايزة غيرك انت" وكذلك فضل شاكر في أغنية "من أول عمري".
لكن هذه الألحان لم تكن محاولة من رامي صبري لتثبيت اسمه كملحن مستقل بقدر ما كانت مرآة تعكس غزارة موهبته، بدليل أنه بعد سنوات قليلة أصبح أكثر مطربي جيله تلحينًا لنفسه بأكثر من 76 أغنية، أي أن مشروع رامي صبري الغنائي قائم في الأساس على ألحانه هو.
فبالنظر لألبوماته الأولى "حبيبي الأولاني"، "غمضت عيني"، و" وأنا معاه" سنكتشف أنه لحن الغالبية العظمي منها، باستثناء أغنية أو اثنتين لملحنين أخرين. حتى ألبوم "الراجل" الذي صدر عام 2017 لحنه كاملًا دون مشاركة أي ملحن آخر.
ومع انتقال رامي صبري من مرحلة إثبات حضوره في السوق إلى مرحلة ترسيخ مشروعه كمطرب، بدأت ملامح مدرسته اللحنية تتشكل بوضوح.
هوية لحنية قابلة للتمدد عبر أربع مسارات مختلفة، تضمن تنوعًا واضحًا، وشخصية بارزة في كل مسار.
الرومانسيات الممتدة، الأغاني الدرامية الثقيلة، ألحان ذات إيقاع سواء الغربي أو المقسوم، وأخيرًا الألحان الطربية الشرقية.
رومانسيات أيقونية!
ظهر أحد هذه المسارات بشكل مدروس يخدم قدرات صوته كمطرب في أغانيه "الرومانسية". جُمل لحنية ممتدة نسبيًا، وتسمح بالتصاعد التدريجي للغناء كي تُظهر قدراته على التنقل بين الطبقات.
كشف عن ملامح هذا الأسلوب في عدد من أغاني ألبومه الأول مثل: "حبيبي الأولاني" و"بحبك"، و"سكت ليه"، حيث اعتمد على الجملة اللحنية الممتدة والتصاعد التدريجي.
في ألبومه الثاني "غمضت عيني" أصبحت هذه الأغاني جزءًا من شخصيته الفنية. الجملة اللحنية الممتدة غالبًا على مقامي النهاوند أو الكرد، والتصاعد النغمي الذي يعبر عن الحالة العاطفية، كما يظهر في أغاني مثل "غمضت عيني" و "نفسي أعرف" و "ده اللي بستناه"، "فاكر زمان"، .
ولم تغب طوال رحلته عبر نماذج مثل "مسألتنيش"، "نفسها تشوفني"، "اتقابلنا"، "حاول تنساني"، "بقابل ناس"، "لما بيوحشني"، و"بتفتكرني ساعات"، حتى أنه حرص على تقديم ميدلي في حفلاته يجمع بعض هذه الرومانسيات ليبرز الخط الواضح بينها.
التنوع بين الإيقاعات
مثلما قدم رامي خطًا واضحًا للألحان الرومانسية أو كما تُسمى تجاريا "أغاني السلو"، قدم أيضًا تجارب متنوعة كمُلحن شرقي مُخضرم، ببداياته صاغ لحنًا طربيًا دسمًا في أغنية "لما انت بتعمل كده فيا"، وظلت ملامح من هذه الشخصية الشرقية حاضرة في أعمال تالية.
ليس هذا فقط، بل أكد قدرته على التنوع بتقديم ألحان ملائمة لقوالب الهاوس الريجاتون واللاتين بوب والبوسانوفا صاغ ألحانًا رشيقة تحتوي قدرات صوته وتُلائم الجنرا الموسيقية ، مثل أغنيات "كلمة"، "فرجت الناس عليا"، "بتاع بنات"، "قُلت اللي عندي".
من المهرجانات إلى الدراما الغنائية
لم يتوقف رامي صبري كملحن عند حدود نجاحاته المضمونة، فمع ارتفاع موجة الأغاني الراقصة أو "المهرجانات"، بدأ يلاحظ تغير مزاج المستمع وميله إلى الألحان الإيقاعية والكلمات الجريئة.
في هذا السياق، قدم أغنية "الراجل"، التي تُعد واحدة من أجرأ أغانيه وأكثرها إثارة للجدل، ليُطوع فلسفته اللحنية في مخاطبة الذوق الشعبي، معتمدًا على جُمل لحنية قصيرة وإيقاعات إليكترونية صاخبة للموزع المغربي جلال حمداوي.
وفي مجال الأغنية الدرامية أظهر رامي قدرته كمُلحن على تقديم أنماط مختلفة في نفس الساحة، فصاغ ألحانًا متميزة مثل أغنية " خسارة عمري" والتي تُشبه إلى حد كبير تترات ياسر عبد الرحمن في مسلسلات التسعينيات!
وعندما لمس النجاح الساحق لأغنيته "حياتي مش تمام" من لحن وكلمات عزيز الشافعي، أيقن أن الوقت قد حان لإعادة الأغنية الدرامية إلى ملعب الإيقاع الإلكتروني واللحن السلس، فلحن لنفسه أغنية "يمكن خير" التي تُعد من أنجح أغانيه في السنوات الأخيرة حيث تصدرت تريند مواقع التواصل الاجتماعي، واحتلت صدارة قائمة بيلبورد "هوت 100" بعد عام من صدورها.
صوت المُطرب و بصمة المُلحن
هكذا تبدو تجربة رامي صبري مختلفة في مشهد الأغنية العربية، فهو لم يدخل المجال من بوابة التلحين بحثًا عن الاعتراف به كمُلحن، ولم يتخل عن التلحين حين أصبح نجمًا في الغناء.
بل استخدمه كفرشاة وألوان ترسم "البيروسنا" الخاصة به، وربما لهذا السبب تحديدًا ظل رامي صبري واحدًا من القلائل الذين نجحوا في الجمع بين نجاح المطرب وبصمة الملحن.






