نستعيد مسيرة علاء زلزلي في الوقت الذي يصدر فيه ألبومًا جديدًا. الفنان اللبناني ما زال يعمل ويطلق أغانٍ جديدة، ولايزال اسمه مادة جذابة إعلاميًا. لكن حين نسمع اسمه، لا يخطر ببالنا أي إصدار جديد أو حتى أخبار عودته التي تتردد منذ سنوات، بل يقفز إلى مخيلتنا زمن عاشه البوب اللبناني، ويختزله اسم علاء زلزلي؛ فهو لم يكن اسمًا عابرًا، بل كان جزءًا أساسيًا من صورة البوب اللبناني في التسعينيات؛ من شكلها وجرأتها، من انتقالها من الثوري إلى الستايل الشبابي.
نجم يعشقه الضوء
صناعة النجومية تتطلب عادةً حملات إعلامية وصناعة سرديات لرسم حكاية جذابة. علاء زلزلي لم يكن يحتاج لكل ذلك. منذ بداياته، كان من النوع الذي يكفي أن تراه على المسرح لتفهم أنه نجم؛ حضوره الجسدي، ثقته، طريقته في التحرك، شكله الذي قورن بإلفيس بريسلي، جرأته في اللباس.
لم تكن هذه مجرد تفاصيل شكلية، بل جزءًا من تكوينه كنجم، ففي كل مرة تراه فيها تشعر وكأنه يتحرك تحت بقعة ضوء. ذلك يجعل الحكاية المثيرة المتداولة عن بداياته ليست ذات أهمية. فعليًا هي ليست سوى تأكيدًا على أنه نجم بالفطرة، فما معنى أن يتحول الغناء دون تحضير بعرس أحد أقاربه إلى بوابة لدخول عالم الفن؟ ربما لعبت المصادفة دورها مع تواجد متعهد حفلات في حفل الزفاف، لكن عند إعادة التفكير بالحكاية، هل كان التعاقد مع علاء زلزلي لتقديم حفلات غنائية للجاليات العربية في أفريقيا يمثل فرصة كبيرة تؤدي لولادة نجم؟ بالتأكيد لا.
أقرب إلى نفسه باللهجة اللبنانية
بدأ علاء زلزلي مسيرته الفعلية سنة 1990 بألبوم "طريق القدر". في بداياته، كانت غالبية أغاني علاء زلزلي باللهجة المصرية، وتتوافق مع السائد. وواظب على طرح الألبومات سنويًا، وتعاون مع كبار الشعراء الغنائيين والملحنين المصريين، ولكن كلمة سر النجاح لم يجدها بأغانٍ من ألحان مايسترو المرحلة، صلاح الشرنوبي، وإنما بالأغنية اللبنانية. فعلاء زلزلي كان ينجح أكثر كلما اقترب من نفسه أكثر، وكأن لغز النجاح يقترن دائمًا بهويته وحضوره، لتكون بصمته الأبرز في تلك المرحلة بالأغاني ذات النكهة اللبنانية البسيطة والعفوية وغير المتكلّفة، رغم أنها كانت لا تمثل سوى هامش بسيط بإنتاجه الفني بالسنوات الأولى.
في عام 1995، التي تعتبر عامًا ذهبيًا بمسيرته، تضاعف إنتاج علاء زلزلي، ليطرح ثلاثة ألبومات، ونجح بشكل خاص ألبوم "اتدللي"، الذي كانت أغنيته الرئيسية باللهجة اللبنانية. وحتى بألبوماته الأخرى كانت الأغاني اللبنانية تنجح بشكل أكبر، مثل "دخلك" من ألبوم "اتحداني". لكن أغنية "اتدللي" نفسها لم تكن مجرد أغنية جديدة من أغانيه اللبنانية التي تضرب، بل تحولت إلى علامة فارقة، أصبح فيها اسم علاء زلزلي ماركة مسجلة، بكلماتها البسيطة التي حولت اسم زلزلي إلى ثيمة: "اتدللي على زلزلي". في هذه الأغنية تحديدًا اتضحت معادلة النجاح عند علاء زلزلي: كلما اقترب من نفسه ضرب. فهو نجم بالفطرة ولا يحتاج سوى أن يظهر بعفويته لينجح أكثر.
من بعدها صارت أغاني علاء زلزلي اللبنانية أكثر نضجًا وأكثر خصوصية، ليتضمن كل ألبوم أكثر من هيت باللهجة اللبنانية، وتصبح الأغاني الرئيسية التي تحمل الألبومات اسمها هي أغاني لبنانية منذ "مية بالمية" سنة 1999، الذي قد يكون الألبوم الأفضل على امتداد مسيرته، وكانت من أبرز أغانيه "عاشق والعين عليي" التي بدت تناسب أسلوب علاء زلزلي الثوري وستايله الخاص، أكثر من أي أغنية سبقتها.
لبننة المغاربي: بصمة خاصة وضعها علاء زلزلي
لا شك أن العديد من أغاني علاء زلزلي المصرية حققت نجاحًا كبيرًا، مثل "حياتي مغامرة" و"أحلى عيون"، لكن إذا كان علاء زلزلي قد تألق بلون موسيقي فعلًا غير اللبناني، فهو اللون المغاربي، منذ تقديمه كوفر أغنية "لاموني اللي غاروا مني"، ووصولًا إلى تجربته الأكثر خصوصية عبر امتداد مسيرته في لبننة الموسيقى المغاربية.
بدا علاء زلزلي، مهتمًا بأرشيف الموسيقى المغاربية، وبالاستناد إليه قدم واحدة من أبرز المحطات في مسيرته، عندما قام بلبننة الموسيقى المغاربية وقدم أغنية "تقبرني" على لحن "يالمنفي" لرشيد طه سنة 1999. وبالإضافة لذلك قدم أغاني أصلية له باللهجة التونسية، أبرزها "بالزاف"، التي صدرت ضمن ألبوم "يا حنون" سنة 2001.
في ألبوم "يا حنون" بدأ علاء زلزلي بالسير على خط امتد لسنوات في الأغنية اللبنانية، حيث استورد لحنًا تركيًأ وقدم عليه أغنية لبنانية، وبذلك صنع الهيت الأبرز في الألبوم "الشكل الحلو"، التي قدمها على لحن "Karam" لهاكان بيكر. وامتدت تجارب علاء زلزلي العابرة للحدود إلى ألبومه الأخير قبل الانقطاع الطويل "Je suis malade"، الذي كانت أغنيته الأساسية، التي يعرفها الجمهور أيضًا باسم "عقلي طار" مزيجًا ما بين العربية والفرنسية.
لم يختفِ بل تحول إلى أيقونة لزمن انتهى
اليوم، يصدر علاء زلزلي ألبومًا. لكن حين نسمع اسمه، لا نتجه ذهنيًا إلى الحاضر. نتجه إلى التسعينات. ليس لأن الجديد ضعيف، ولكن لأنه اقترن بالمخيلة في تلك الفترة. ربما ساهم بترسيخ ذلك فترة انقطاعه الطويلة التي امتدت لأكثر من عشر سنوات، والتي سبقت عودته عام 2018 بتقديم أغاني سينجل واستمراره حتى تقديم ألبوم "القصة كلا" سنة 2021 وتقديم ألبوم آخر نهاية 2025.
ابتعاده عن الواجهة في زمن كان المشهد الموسيقي يشهد تحولات جذرية، جعل اسمه يقترن بالمرحلة التي سبقتها، ولاسيما أن بصمته كانت قوية جدًا في تلك المرحلة إلى درجة أنه صار مرتبطًا بها عضويًا. صار رمزًا لها. وعندما تصبح رمزًا لزمن، يصبح من الصعب أن تنفصل عنه. فعلاء زلزلي لم يختفِ فعليًا، لكنه تحول إلى أيقونة تمثل زمن انتهى، نستعيده باستمرار ولكن لا نفكر بأنه قد يمضي.






