في منتصف ثمانينات القرن الماضي كانت الساحة الغنائية في مصر متعطشة لأصوات جديدة، أسماء تسعى لملء الفراغ الذي تركه رحيل النجوم الكبار، ولم تستطع الفرق الغنائية أن تملأ هذا الفراغ لأسباب عدة. ظهر محمد منير، ثم تبعه عمرو دياب، قبل أن يأتي حميد الشاعري ويقود موجه فتحت الباب أمام جيل كامل من الشباب كان أقربها له وأصغرها سنًا فارس الجبيلي.
اسمه الحقيقي سيد محمود فارس الجبيلي، من مواليد الإسكندرية لأب مصري وأم ليبية، ومن هذا الخليط الثقافي، ومن علاقة جيرة ومعرفة عائلية، بدأت صلته بحميد الشاعري، التي ستصبح لاحقًا واحدة من أكثر الشراكات تأثيرًا في مسيرته.
انتقل فارس إلى القاهرة للدراسة في كلية الهندسة، لكنه سرعان ما وجد نفسه في قلب التجربة الموسيقية الجديدة التي كان يقودها الشاعري. في لحظة كان "الكابو" يعيد فيها تشكيل ملامح البوب المصري، دفع بفارس – الذي لم يتجاوز 18 عامًا – ليغني في فرقته، ويشارك في كورال الأغاني، قبل أن يقدمه لشركات الإنتاج.
كيف صنعه "الكابو" ؟
تلقى فارس عرضًا من شركة "أمريكانا شو" لغناء ألبوم مُعرّب لأغاني فرقة "مودرن توكنج"، لكن الشاعري نصحه بعدم خوض التجربة، ليذهب المشروع لاحقًا إلى سيمون ويصدر باسم "تاني تاني". قرارٌ يبدو بسيطًا، لكنه يعكس منذ البداية حرص الشاعري على بناء فارس كمشروع مستقل، لا كمجرد نسخة معرّبة من نجاح أوروبي.
لم يخذل الكابو فارس، بل صاغ هويته الفنية وقدمه لشركة "صوت بيروت" لتنتج له أول ألبوماته "ح أكتبلك" لفارس والمزداوية – الفرقة التي أسسها الشاعري – عام 1987.
يتذكر فارس تلك اللحظة في لقاء سابق لبرنامج "صاحبة السعادة" قائلًا: "كنت صغير أوي، صحيح بحب أعزف على الجيتار وبغني غربي، لكن لقيت حميد بيقولي أنا هعملك شريط! خُفت في البداية، بس هو شجعني، دخل غنى معايا الكورال في أغنية يا جميل يا اللي .. اللي كانت أول أغنية سجلتها وأنا صغير جدًا".
في عام 1989، واصل فارس خطواته بثبات عبر ألبومه الثاني "إنتي"، الذي تولى حميد الشاعري توزيعه بالكامل، وشارك فيه ملحنون بارزون مثل صلاح وفاروق الشرنوبي، إلى جانب شعراء مثل عوض بدوي، مجدي النجار، وحجاج عبد الرحمن.
لكن التحول الحقيقي جاء مع ألبوم "سحرك" عام 1990. ألبوم سيطر عليه الشاعري كملحن وموزع، وكتب أغلب أغانيه عادل عمر، ليصنع لفارس هوية نجم مكتمل الأدوات، قادر على المنافسة في ساحة مزدحمة بأسماء مثل عمرو دياب، محمد فؤاد، إيهاب توفيق، ومصطفى قمر.
الخروج من مدرسة حميد
واصل فارس مسيرته بأفكار حميد الشاعري في ألبوم "معجباني" عام 1992 من إنتاج "هاي كواليتي". وزع حميد الألبوم كاملًا، ولحن له خمس أغانٍ، وشهد الألبوم مشاركة النجم الشعبي حكيم كملحن لأغنية الهِيت "معجباني"، وكذلك مصطفى قمر ملحنًا لأغنية "لما تشوفوه".
ثم جاء إيقاف حميد الشاعري ليعطل الكثير من خطط فارس، الذي اتجه في ألبومه الخامس "سوسنة" للتعاون مع فريق مختلف تمامًا. استعان بطارق مدكور كموزع للألبوم، واختار ألحانًا أكثر شرقية وكلمات أعمق عكست نضجًا فنيًا واضحًا، خاصة بتعاونه مع الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم في أغنيتي "هنتوب لندوب" و"عشق الصبايا"، من ألحان صلاح الشرنوبي.
في عام 1995 أعلن فارس تمرده الكامل على مدرسة حميد الشاعري في ألبومه السادس "أمير العشق".
ألبوم تعددت فيه أسماء الصناع بشكل غير مسبوق في مسيرته: سبعة شعراء، ستة ملحنين، وأربعة موزعين هم طارق مدكور، أشرف عبده، بهاء حسني، وأشرف محروس.
حاول فارس التجريب في هذا الألبوم، وقدم الأغنية الرئيسية "أمير العشق" باللغة العربية الفصحى، وكأنه تأثر بنجاح كاظم الساهر في مصر آنذاك. لكنها لم تتوافق مع طبيعة صوت فارس.
عاد فارس إلى التعاون مع حميد الشاعري في ألبوم "تاني" عام 1998 بعد غياب ثلاث سنوات، في محاولة لاستعادة التوازن. الألبوم قدم تجديدًا ملحوظًا، خاصة بخروجه عن قالب المقسوم التقليدي، وشهد أول تعاون لفارس مع محمد رحيم في أغنيتي "تاني" و"كحيل العين".
انفصل فارس عن حميد مجددًا في ألبومه التالي "يا حبيبي" عام 2000، وعاد في أحد أفضل ألبوماته للتعاون مع الموزع طارق مدكور، قائد موجة اللاتين بوب مع عمرو دياب.
انعكست بصمات مدكور على الألبوم؛ فقدم اللاتين في "يرضيك"، والراي في "يا بنية"، والإيقاع الخليجي في "يا مليح"، بمشاركة ملحنين تصدروا المشهد وقتها .
التجديد بألحان عمرو مصطفى
في 2001، سعى فارس لمواكبة نجم المرحلة عبر التعاون مع عمرو مصطفى في ألبوم “أحلف بالله”، الذي لحنه مصطفى بالكامل، وقدم من خلاله جيلًا جديدًا من الشعراء منهم خالد تاج الدين، أمير طعيمة، ربيع السيوفي، وأيمن بهجت قمر. ووزع حميد الشاعري ست أغانٍ بينما قدم الموزع بعد أربع أغانٍ من بينها الهيت "أحلف بالله"، ورغم تميز الألبوم فنيًا، ظل فارس في منطقة وسطى بين النجاح الجماهيري المحدود والاستقرار الفني المؤقت.
في تلك الفترة اتجه فارس إلى السينما، لكن تجربته في التمثيل لم تكن ناجحة مقارنة بمصطفى قمر، ابن جيله. شارك في بطولة فيلم "جلا جلا" مع جالا فهمي عام 2001، ثم فيلم "بحبك وبموت فيك" عام 2005، دون تحقيق نجاح يُذكر في شباك التذاكر، فابتعد عن التمثيل، مواصلًا مسيرته الغنائية التي بدأت تهتز أمام صعود أصوات شابة مثل تامر حسني ومحمد حماقي.
نهاية غير متوقعة
رغم نجاح ألبوم "سحر عنيك" عام 2003، ابتعد فارس لسنوات بسبب أزمات إنتاجية وشخصية، انتهت باعتزاله المؤقت. لاحقًا عاد للظهور إعلاميًا، وأصدر أغنية "عصبي"، قبل أن يعلن هذا العام تعاقده مع المنتج ريتشارد الحاج على ألبوم جديد.
عودة متوقعة لفارس الجبيلي .. لكن يظل السؤال حاضرًا أمام كل العائدين: هل تمنحه التجربة القادمة فرصة أخيرة لاستعادة مكانه، أم أن عصره الذهبي أصبح جزءًا من الماضي فقط؟






