قبل أن تصبح "الليلة يا سمرا" واحدة من الأغاني المرتبطة بصوت محمد منير، كانت قد قطعت طريقًا طويلًا بدأ في مكان لا يشبه المسارح ولا الاستوديوهات: سجن الواحات في مصر.
في عام 1962، كان الشاعر فؤاد حداد في سجن الواحد، وكان من الشعراء الذي ارتبط اسمهم بالشعر مع فترات اعتقاله السياسية بين الخمسينيات والستينيات، وعرف بأسلوبه الكتابي المرتبط بتجربة الاعتقال حيث أطلق عدد من الدواوين فيها قصائد بالعامية المصرية.
وخلال يوم من أيام الاعتقال الطويل، أراد الشاعر أن يهدي قصيدة لصديقه المناضل زكي مراد والقابع معه في السجن هدية بمناسبة عيد ميلاده، وصدف حضور كل من الملحن أحمد منيب والمغني محمد حمام في الزنزانة، فتحولت القصيدة إلى أغنية بالنكهة النوبية، بحسب حديث لحفيده أحمد حداد.
وبما أن زكي مراد من قرية إبريم النوبية، ساهم الموسيقي أحمد منيب والاسم الأبرز في التلحين بعالم الموسيقى النوبية بإعطائها النسق النوبي، بينما حملت الكلمات رمزيات ودلالات سياسية ارتبطت بفترة الستينيات في مصر. كما ركزت القصيدة على استعارات من الحياة النوبية مثل المراكب "البنت قالت فستاني منشور على الشط التاني/ خدني المراكبي وعدّاني ورجعت في القمرة الليلة"، بالإضافة إلى كلمات نوبية مثل العنجريب والذي يعني سرير باللغة النوبية "العنجريب اللي قنيته/ سبع سنين استنيته".
عرف المغني محمد حمام أيضًا لتاريخه النضالي والأغاني ذات البعد السياسي التي قدمها خلال مسيرته مثل "بيوت السويس" و"جدف يا مراكبي"، ويعتبر من الأسماء المغمورة في مشهد الأغنية النوبية. قرر حمام بعد خروجه من السجن تسجيل الأغنية في الإذاعة المصرية، وهكذا خرجت النسخة الأولى بصوته على إيقاعات الدف مطعمة بلكنته النوبية.
بعدها بحوالي عشرين عام وتحديدًا في بداية الثمانينيات، زار أحمد منيب برفقة الشاعر عبدالرحيم منصور منزل الشاعر فؤاد حداد، بعد أن خرجت قصيدة "الليلة يا سمرا" في ديوانه "رقص ومغنى"، وطلبوا منه الإذن بأن يغنيها محمد منير. وافق الشاعر وخرجت الأغنية بصوت منير سنة 1981 في ألبومه "شبابيك"، وفسّر الجمهور كلماتها بأن السمرة هي رمزية عن مصر وما واجهته من نكسات سياسية خلال فترة السبعينيات.
أصدر أحمد منيب ألبوم "يا عشرة" في آواخر الثمانينيات، وقدم فيه مجموعة من الأغاني النوبية من ألحانه مع الشعراء عبد الرحيم منصور ومجدي نجيب، كما استعاد فيه أغنية "الليلة يا سمرا" من كلمات فؤاد حداد. حملت النسخة الثالثة إيقاع هادئ مع صوت الدفوف بالإضافة إلى كيبورد أثيري رافق أداء منيب الغارق بالشجن.
إلى جانب هذه الأسماء، أعادت فرقة الشاركس البحرينية تقديم هذه الأغنية في ألبومها "شاركس 1984" من إنتاج شركة النظائر والذي جمعوا فيه مجموعة أغاني من إيران واليمن ومصر. والجدير بالذكر أن منير أعاد تقديم الأغنية بروح جديدة سنة 2002 في ألبوم "بقينا لبعض"، كما قدمتها فرقة أوتوستراد بروح جديدة مع الغيتار إلكتريك في ألبوم "نيتروجين" سنة 2013.
تابعوا المزيد في الفيديو...

