عبر إعلان وليس أغنية، تزامنت عودة هيثم شاكر في رمضان مع نجاح ساحق لم يرتب له أصحابه بالقدر نفسه، لكن عالم النفس السويسري جوستاف يونغ في نظريته "التزامنية" يرى أن الصدفة لا تأتي إلا لمن سعى، معتقدًا أن لكل حدث ترتيبات سابقة.
طبقا لنظرية جوستاف، لم يأت نجاح هيثم شاكر في الإعلان مصادفة، بقدر ما كان تراكمًا لمحاولات عدة، وهو ما تزامن مع تعطش جماهيري لصوت قديم يقدم لهم جديده.
في صناعة لا تعترف بالحنين وحده، تأتي عودة هيثم شاكر لتطرح سؤالًا أكبر من نجاح إعلان: كيف يمكن لصوت لم يغادر الذاكرة أن يغيب عن السوق كل هذا الوقت؟
غياب هيثم شاكر عن المشهد جاء على مهل، كان أقرب إلى انسحاب بطيء منه إلى الاختفاء، أغنيات تطرح دون ضجيج، حضور إعلامي محدود، حفلات قليلة. لا أزمة واضحة يمكن الإمساك بها، ولا خطوة ناجحة تعيد ترتيب مسيرة تتأرجح، فقط مساحة رمادية طويلة دخل منها إلى نفق النسيان الفني، فتحولت علاقته بالجمهور إلى لقاءات متباعدة بلا أثر ممتد، وحضور متقطع يكاد يعتذر عن نفسه.
حين خاض هيثم مضمار المهنة عام 2001 دخله متسلحًا بصوت شجي غير مصطنع، فحقق بأغنية "أحلف بالله" ما عجز كثيرون عن تحقيقه في تلك الفترة الغنية بالإصدارات، وحجز مكانه بمرونة على طاولة الكبار. لم يكن نجاحه ناتجا عن صخب مثل بعض أبناء جيله، لكنه كان صادقًا كفاية ليجلس بين نجوم المرحلة، ثم حدث ما يحدث في صناعة لا تكافئ الصوت وحده ولا تنتظر أحدًا، تنقل من شركة إلى شركة ثم استقل فنيًا، فخسر سباقات كثيرة في محاولات مجاراة السوق.
قضى هيثم سنوات في حالة فنية لا تعكس موهبته. صحيح يمتلك واحدة من أدفأ الحناجر في مصر، وأصدر عددًا من الأغنيات بعضها مكتمل الصنعة، لكنها عانت من غياب البوصلة، ولم تكسر حاجز الصمت، فوجد نفسه أمام اختبارين قاسيين: "الغائب الحاضر"، و"اختراق الجدار الجماهيري".
الخلل لم يكن في الجودة الفنية ولا في ضعف موهبته ولا في حرفيته بقدر ما كان في الاختيارات نفسها، اختيارات بدت وكأنها تبحث عن جمهور جديد فيما كانت تخسر الجمهور الذي صنع البداية.
وفي الوقت الذي تحولت فيه الصناعة إلى اقتصاد شرس تحكمه الخوارزميات، ظل هيثم يقدم أغنيات بذهنية 2004، فتأخرت عن زمنها قبل أن تصل إلى الجمهور، وأصبح كمن حبس نفسه داخل مساحة لا تتوافق وقدره الكبير، ولا تتزامن مع سرعة السوق، وحتى حين حاول الاقتراب وقع في فخ إيقاعات لا تشبهه، وبين ذاك وتلك وجد نفسه مطالبًا باستعادة حضوره أولا قبل أن يفكر في أي خطط مستقبلية.
على المنصات الرقمية، حيث تقاس الجماهيرية والانتشار دون مجاملة، لم تستطع أغنيات تلك المرحلة تجاوز حدود التداول المحدود، لتتحول أعمال كاملة إلى مجرد تواجد يسجله أرشيف الغناء. على يوتيوب سنجد 82 إصدارًا على قناة هيثم شاكر الرسمية، أقدمها يعود إلى 13 عامًا مضت، منها أغنيتان كسرتا حاجز 40 مليون مشاهدة، وتليها عشرات الأغاني التي لم تتخط المليون مشاهدة عبر السنوات.
المفارقة الرقمية الصادمة التي تدفع المرء للدهشة، أن أغنية "خليك جنبي" التي طرحت عام 2004، ضمن أول ألبوماته، هي أكثر الأغنيات رواجًا على القناة برقم تجاوز 43 مليون مشاهدة، والمدهش أكثر أنها نفسها أقدم أغنية على القناة، لكن يبدو أن هيثم لم يلتفت إلى ما تحمله هذه التفصيلة من إشارات فنية وليست رقمية.
الأمر المحير أيضًا، أن أكثر نسخ هيثم الفنية اكتمالًا ونضجًا ونجاحًا تلمع حين يبتعد خطوة للخلف عن اتخاذ القرار. في هذا الإعلان بدا أقرب إلى نفسه حين لم يوجه الدفة وحده، فجاء تفاعل الجمهور مع 30 ثانية بقدر أكبر مما حققته ألبومات كاملة، ما يعني أن النجاح لم يكن يومًا في الجبنة، بل كان يسكن هيثم نفسه، لكنه وطوال سنوات يقبع وينتظر التوجيه الصحيح، ليعيد هيثم إلى نفسه وإلى جمهوره.
أثبت الإعلان أن قوة التأثير لا تتناسب طرديًا مع حجم الإنفاق، وهو عكس النهج الذي تبناه هيثم طوال سنوات مضت، حين تعاون مع أعلى الشعراء والملحنين والموزعين سعرًا، دون أن يهتم بمعادلة توظيف عناصر العمل، التي تكفي وحدها لتحقيق الاستمرارية.
أخطر ما يمكن أن يواجهه الفنان ليس عدم التوفيق، بل النجاح المفاجئ الذي يكشف له أن الطريق كان أقصر مما ظن، وأن السنوات التي ضاعت لم تكن قدرًا بقدر ما كانت قرارات، وإذا كان هيثم يحب نفسه كما نحبه جميعًا، فعليه ألا يدع هذ النجاح يمر دون محاسبة قاسية للنفس، وليعتبر نفسه أمام امتحان بأسئلة إجبارية غير مسموح بتجاهلها: هل تفهم أهمية الفرصة التي ارتمت بين كفيك؟ هل تدرك صعوبة ما حققته من إنجاز كبير بين وحوش الصناعة في شهر رمضان؟ هل تنتهز هذه الفرصة لتفترس النجاح وتعلن عن نفسك مجددًا؟ أم سترهق نفسك مرة أخرى بأغان لا تشبهك؟
في هذا الإعلان لم يبع لنا هيثم منتجًا أو شيئًا جديدًا بقدر ما باع لنا نسخة أصلية وأصيلة من هيثم شاكر الذي نعرفه، لكنها نسخة أكثر نضجًا، وبساطة، وصدقًا، وقربًا من الناس، وفي الوقت الذي يمنحه فيه هذا الإعلان فرصة ثانية بدافع الحنين، عليه أن يعي أن السوق لن يمنحه الثالثة إلا بدافع الضرورة.





