الكولوسيوم لا يحتاج إلى خلفية. لكنه في مايو 2026، كان هو الخلفية. في عدد مايو من غلاف "بيلبورد"، رحلة إلى روما حيث وقفت الأوركسترا والكورال الوطني السعودي إلى جانب الفنان العالمي أندريا بوتشيلي، في أمسية بدا فيها الإبداع السعودي والتاريخ الموسيقي الإيطالي في حالة اعتناق فني نادر؛ كأن جدران الكولوسيوم احتضنت هذا المزيج بين الصوت والذاكرة، بين التراث والحاضر، وبين حضارتين التقتا بلغة لا تحتاج إلى ترجمة.
المحطة الحادية عشرة من جولة "روائع الأوركسترا السعودية"، حملت رمزية خاصة. فأن تصدح الأصوات السعودية في قلب روما، أمام أحد أكثر المعالم حضورًا في الذاكرة الإنسانية، وبمشاركة صوت عالمي بحجم بوتشيلي، يعني أن الموسيقى هنا لا تُقدَّم بوصفها عرضًا عابرًا، بل بوصفها مساحة لقاء. لقاء بين بلدين، وبين تاريخين موسيقيين، وبين جمهور يتلقى اللحن قبل أن يحتاج إلى تفسيره.
تحت قيادة المايسترو الإيطالي مارشيلو روتا، اجتمع اثنان وثلاثون موسيقيًا من الأوركسترا والكورال الوطني السعودي مع ثلاثين موسيقيًا من أوركسترا "فونتان دي روما"، في برنامج ضم أعمالًا سعودية وإيطالية وعالمية. ولم يكن المشهد مجرد تعاون بين فرقتين، بل حوارًا حيًا بين ذائقتين موسيقيتين؛ الأولى تحمل موروثًا سعوديًا وعربيًا غنيًا بالإيقاع واللحن والذاكرة، والثانية تنتمي إلى تاريخ إيطالي طويل في الأوبرا والموسيقى الكلاسيكية.
في تلك المساحة المشتركة، الموسيقى تبني الجسر والطريق وتترجم اللغة في آن واحد. على المسرح، كانت الوجوه العربية، بأدائها وحضورها، تعبر بالعربية إلى الإيطالية واللاتينية، في مشهد يختصر قدرة الموسيقى على أن تدخل القلوب والعقول من دون أن تستأذن الكلمات. هنا، لا تعود اللغة حاجزًا بين المؤدي والجمهور، بل تصبح جزءًا من التجربة.
منذ أول عروضها الدولية في باريس عام 2022، بنت الأوركسترا والكورال الوطني السعودي رحلة عالمية متصاعدة. من مكسيكو سيتي إلى دار أوبرا متروبوليتان في نيويورك، ومن قاعة سنترال هول ويستمنستر في لندن إلى دار الأوبرا في سيدني، ومدينة أوبرا طوكيو، وقصر فرساي، والعُلا، وصولًا إلى حديقة الكولوسيوم الأثرية في روما. ومع كل محطة، كانت "روائع الأوركسترا السعودية" تضيف فصلًا جديدًا إلى حضورها، وتكشف قدرة هذا المشروع على مخاطبة جماهير مختلفة بذائقة موسيقية عالمية.
لكن روما منحت هذه الرحلة معنى آخر. فإيطاليا، بتاريخها العميق في الموسيقى الكلاسيكية والأوبرا، لا تستقبل الموسيقى كعرض فني فحسب، بل كجزء من وجدانها الثقافي. لذلك بدا حضور الأوركسترا والكورال الوطني السعودي في هذا المكان تحديدًا امتدادًا طبيعيًا لمسار يتسع محطة بعد أخرى، ويتفوق على نفسه في كل مرة من خلال أداء يحاكي ذائقة رفيعة، ولغة تواصل تذوب لها الآذان قبل أن تبحث عن معاني الكلمات.
بوتشيلي اختصر تلك اللحظة حين قال إن "الغناء بجانب الكولوسيوم دائمًا ما كان تجربة تحمل مشاعر استثنائية، إلا أن المشاركة بجانب الأوركسترا والكورال الوطني السعودي أضفت عليها طابعًا أكثر تميزًا". لم يكن حديثه عن المكان وحده، بل عن معنى اللقاء نفسه؛ فالموسيقى، كما يراها، لغة قادرة على وصل الثقافات وتجاوز حدود الزمان والمكان.
هذه اللغة المشتركة ظهرت بوضوح في أداء الأوركسترا السعودية والإيطالية معًا. فالمايسترو مارشيلو روتا رأى في هذا اللقاء "تجربة فنية ثرية، تجلّى فيها التلاقي في الفهم الموسيقي وحس الانضباط، على الرغم من اختلاف الأساليب وطرائق التعبير". وفي هذا الوصف ما يلخص جوهر الأمسية: أن الاختلاف لا يمنع الانسجام، بل يمنحه طبقات أعمق، وأن الموسيقى حين تُدار بحس فني عالٍ تستطيع أن تجمع بين مدارس متعددة من دون أن تُذيب خصوصية أي منها.
ومن أبرز لحظات الحفل، جاءت مقطوعة "الحِجر وروما" كعمل لا يروي التاريخ فقط، بل يعيد تخيّله موسيقيًا. المقطوعة، التي جاءت من كلمات المؤرخ والباحث الدكتور سليمان الذيب، استلهمت عمق الروابط الثقافية بين المملكة العربية السعودية وإيطاليا، واستعادت إرث الحضارتين في تجربة فنية تجسّد امتداد الحوار الثقافي عبر الزمن، وتؤكد دور الموسيقى في مدّ جسور التواصل بين الشعوب والحضارات.
وكلمات الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى بول باسيفيكو تضع أمسية روما في سياقها الأوسع، فإقامة "روائع الأوركسترا السعودية" في روما بحسبه "محطة استثنائية في مسيرة الموسيقى السعودية، ورمز يعكس عمق الحوار الثقافي". وهذه العبارة لا تختصر الحفل وحده، بل تفتح على معنى أوسع: إيصال الموروث الموسيقي السعودي إلى جمهور دولي، وبناء شراكات إبداعية طويلة الأمد، وتعزيز حضور الأوركسترا كفن حاضر أكثر فأكثر في الحياة الثقافية السعودية والعالمية.
أمام الكولوسيوم، حيث تحمل الجدران ذاكرة قرون. لم تكن الموسيقى عابرة، بل كانت تستعيد طريقًا قديمًا للحوار بين الحضارات. وفي قلب هذا الحوار، وقفت الأوركسترا والكورال الوطني السعودي إلى جانب أندريا بوتشيلي وأوركسترا "فونتان دي روما"، لتقول إن الموسيقى تستطيع أن تجمع العالم، وأن تعيد للتاريخ صوته بلغة يفهمها الجميع.

