في أقل من عشر سنوات، تحول عايض من شاب مجهول يغني عبر إنستجرام دون أن يُظهر وجهه، إلى أحد أهم أصوات البوب الخليجي وأكثرها استماعًا وتأثيرًا.
لا شك أن اختزال تجربة عايض في فكرة النجاح الجماهيري فقط يبدو تسطيحًا لتجربة فنان يمثل، في الحقيقة، تحوّلًا كاملًا في شكل الأغنية السعودية الحديثة، وفي طريقة صناعة النجوم نفسها داخل الخليج.
هذا النجاح الجماهيري عكسته نتائج رقمية لا تبدو مجرد مجرد تفاصيل إضافية، بل جزء من تفسير الظاهرة جماهيريًا، قبل فهمها وتفكيكها فنيًا.
فعايض يمتلك 15 أغنية على قوائم بيلبورد عربية، ودخل مرتين قائمة العشرة الأوائل، فيما بقيت اغنيته "لماح" في صدارة قائمة أعلى 50 خليجي طوال 49، وبقيت في المراتب الخمسة الأولى طوال 92 أسبوعًا.
لكن الأهم أن هذا النجاح لم يأتِ عبر القنوات التقليدية المعتادة، بل عبر نموذج جديد بالكامل لصناعة النجم الخليجي؛ نموذج ولد داخل المنصات الرقمية والسوشيال ميديا، ويعرف جيدًا كيف يخاطب جمهور الاستماع السريع، ولكنه في ذات الوقت يفرض عليه ذائقته ويحاكي ما يريد أن يسمعه هذا الجمهور!
الرومانسية دون استعراض
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن عايض يفهم طبيعة جيله أكثر من معظم أبناء جيله أنفسهم. لم يحاول أن يكون امتدادًا مباشرًا لمدرسة الطرب الخليجي الكلاسيكية، ولم يقدّم نفسه كمطرب صاحب صوت استعراضي ضخم، بل اختار منطقة أكثر حميمية وهدوءًا. صوته نفسه ليس صوتًا قويًا بالمعنى التقليدي، لكنه يمتلك ما هو أهم في موسيقى اليوم: الإحساس والملمس الصوتي القريب من القلب، والذي يغازل وجدان المستمع بصورة أكبر في المنطقة الرومانسية، وهي نقطة جوهرية لفهم نجاحه.
هذا النوع من الأداء يناسب تمامًا طبيعة الاستماع الحديثة؛ الأغنية التي تلتصق بالمستمع عبر الاستماعات الشخصية، لا عبر المسارح فقط.
ولذلك تبدو أغانيه وكأنها مصممة لتعيش داخل الحالة الشعورية اليومية للمستمع، تتناول همًا عاطفيًا، أو تأملًا ذاتيًا، تتأرجح بين الغزل تارة، وبين لوم النفس تارة أخرى، وهو ما ظهر بوضوح في أحدث أغانيه التي طرحها بعنوان "صديت متعمد".
وربما لهذا السبب أصبحت أغنيات مثل "تجيني" و"لمّاح" و"استراحة محارب" من أهم محطات مسيرته وأكثرها انتشارًا. نماذج كاشفة لفلسفة يتصدرها الإحساس، الصوت الناعم، الكلمات الرومانسية، الإيقاع الهاديء الذي يمزج بين الخليجي والغربي، واخراج موسيقي يحمل رؤية واحدة.
فلسفة البوب الخليجي الجديد
في "تجيني"، يقدّم عايض نموذجًا واضحًا للبوب الخليجي الجديد؛ لحن بسيط وسلس، توزيع حديث، وأداء عاطفي ناعم يخلو تقريبًا من أي استعراض صوتي. الأغنية لا تعتمد على القفلات الطربية أو التعقيد اللحني، بل على خلق حالة وجدانية سريعة ومرنة، وهي معادلة أصبحت أساسية في نجاح الأغنية الخليجية الحديثة.
أما "لمّاح"، فتبدو أكثر نضجًا على مستوى الهوية الموسيقية. هنا يظهر عايض أكثر ثقة في اللعب داخل منطقة البوب الخليجي الرومانسي المعاصر، على مستوى الأداء ظهر أكثر تحررًا وقدرة على أداء نقلات أكثر انفعالًا، خصوصًا مع المزج بين الإيقاعات الخليجية والتوزيع الحديث الذي يمنح الأغنية روحًا مختلفة دون أن تفقد هويتها المحلية.
وربما لهذا لم يكن غريبًا أن تفوز الأغنية بجائزة أفضل أغنية خليجية في النسخة الأولى من جوائز بيلبورد عربية 2024.
لكن "استراحة محارب" تظل واحدة من أكثر أغانيه أهمية من الناحية الفنية، لأنها كشفت جانبًا أكثر عمقًا في شخصيته الموسيقية. الأغنية تحمل مسحة درامية وتأملية واضحة، مع أداء يبدو أقل خفة وأكثر انكسارًا، وكأن عايض يحاول فيها الاقتراب من المدرسة الخليجية الشعورية التي أسسها جيل سابق من النجوم، لكن بروح أكثر هدوءًا وحداثة.
صناعة الاحساس أم بناء الأغنية ؟!
ورغم أن عايض يتحرك بوضوح داخل منطقة البوب التجاري، فإنه نجح في الحفاظ على جذور خليجية واضحة في مشروعه. يمكن ملاحظة ذلك في تعاونه مع أسماء مثل الأمير بدر بن عبدالمحسن وفهد المساعد وسهم، وهي أسماء تنتمي إلى المدرسة الكلاسيكية في الأغنية الخليجية. لذلك تبدو تجربة عايض وكأنها نقطة توازن بين حساسية الجيل الجديد وذاكرة الأغنية الخليجية القديمة.
الأهم أن عايض لا يمثل مجرد مطرب ناجح، بل يمثل شكلًا جديدًا للنجم الخليجي نفسه. نجم يعتمد على الحالة الشعورية أكثر من القوة الصوتية، وعلى الذكاء الاختياري في الألحان والتوزيعات أكثر من الاستعراض، وعلى صناعة الاحساس والمزاج أكثر من صناعة الأغنية بالمعنى التقليدي.
ومع ذلك، لا تخلو تجربته من بعض الملاحظات النقدية. ففي أحيان كثيرة، يقع عايض في فخ تكرار نفس الحالة العاطفية، حتى تبدو بعض أعماله وكأنها تتحرك داخل المزاج نفسه دون مغامرة حقيقية. رهانه المستمر على الرومانسية الناعمة منحه جماهيرية واسعة، لكنه قد يتحول مستقبلًا إلى منطقة آمنة أكثر من اللازم إذا لم يغامر موسيقيًا بشكل أوسع.
لكن حتى مع هذه الملاحظة، يبقى عايض واحدًا من أهم الأصوات التي أعادت تعريف البوب الخليجي خلال السنوات الأخيرة، وربما الاسم الأكثر تعبيرًا عن شكل الأغنية السعودية الجديدة.






