في تاريخ الموسيقى السعودية، نادرًا ما ظهر صوتٌ اقترب بهذا الشكل من قلب المشهد ليختفي بعدها بلا أثر، كما حدث مع سارة قزاز. فبين وقوفها على مسرح عبد الحليم حافظ، وغنائها كلمات الأمير بدر بن عبدالمحسن، ثم غيابها المفاجئ من الساحة دون تفسير، تتشكّل حكاية غير مكتملة لصوتٍ لم يُتح له أن يستقر طويلًا في ذاكرة الجمهور.
حضورٌ قصير ترك خلفه أسئلة أثارت فضولي، من هي سارة قزاز؟ ولماذا غاب صوتها واختفى من المشهد الموسيقي فجأة بعد أن اقتربت من الأضواء؟
صوتٌ يحمل اسمين
كثير من المغنيات عبر أجيالٍ مختلفة في التاريخ الموسيقي اخترن الظهور بأسماء فنية مستعارة، من عتاب وابتسام لطفي، إلى فيروز وأم كلثوم، سواء بهدف صناعة شخصية موسيقية منفصلة عن حياتهن الخاصة، أو لاكتساب مساحة أوسع للتجريب والتعبير، أو كقناع يسمح لهن بالظهور في أوساط لا ترحّب بصوت المرأة. ابتسام قزاز كانت واحدة من هؤلاء؛ حيث اختارت أن تُعرّف نفسها باسم "سارة قزاز أو الفنانة السعودية سارة"، وتدخل به المشهد الغنائي من دون أن تكشف هويتها كاملة. نشأت ابتسام في القاهرة ضمن عائلة قادمة من مدينة جدة، ارتبط عملها بالسلك الدبلوماسي. وهناك، درست الشابة الطب، لكن انجذابها للموسيقى بقي مسارًا موازيًا لم تتخلَّ عنه، فحاولت أن تحجز لنفسها مكانًا صوتيًا خاصًا لتبدأ تجربة قصيرة سرعان ما انتهت لكنها كانت كافية للفت انتباه الكثير.
الغناء بين الكبار
في منتصف السبعينيات، العصر الذهبي للأغنية السعودية الحديثة، بدأ صوت قزاز يتبلور من القاهرة؛ المدينة النابضة بالفن والتي كانت آنذاك مختبر للأصوات العربية ومركز صناعة النجومية، ومكانًا جمع الفنانون السعوديون عبر شبكة علاقات موسيقية نشطة. هناك، لعب الملحن الراحل محمد شفيق دورًا محوريًا في تقديمها إلى الوسط الغنائي. شفيق، الذي كان في بداياته آنذاك قبل أن يصبح أحد أهم ملحني الأغنية السعودية، تعاون لاحقًا مع محمد عبده وعبد المجيد عبدالله وارتبط اسمه بالأغنية الوطنية. التفت لموهبة سارة فلعب دور المكتشف والوسيط، ووقّع معها أولى تجاربها الغنائية وقدّمها للجمهور بلحنٍ جديد للموشّح الأندلسي "يا من هواه أعزّه وأذلني" لسعيد بن أحمد البوسعيدي، وهنا ظهرت لأول مرّة ولفتت الأنظار إلى صوتها.
توسّعت تجربتها سريعًا، فغنّت من كلمات الأمير الشاعر الراحل محمد العبدالله الفيصل: أنا بستناك، حبيبي الغالي وبيسألوني عليه عيوني، التي أدّتها في حفل أقيم بنادي الترسانة في القاهرة عام 1975م. كما تعاونت مع الأمير الشاعر الراحل بدر بن عبد المحسن في عدد من الأعمال، من بينها: من جرحك بالله يا قلبي خبرني من ألحان محمد شفيق، وأنا بودي، التي غنّاها لاحقًا طلال مداح من ألحان سراج عمر، وعطني في هواك الصبر التي قدّمها لاحقًا محمد عبده.
تعاونت مع ملحنين آخرين كسراج عمر وسامي إحسان، غير أن أعمالها لا مرجع لها ولم تصدر لها أية ألبومات. يُتداول أيضًا عدد من الأغاني المنسوبة إليها مثل أنا خايفة من الميعاد، يا حبيبي فرّقتنا الليالي ووالله الصبر طال، ويُقدّر مجموع ما غنّته بنحو عشر أغانٍ فقط كانت تُذاع عبر إذاعة جدة.
قادتها موهبتها المميزة إلى واحدة من أبرز محطات ظهورها، حين قدّمها عبد الحليم حافظ في حفله الشهير "قارئة الفنجان" عام 1976م في لحظةٍ فتحت أمامها أبواب شهرة أوسع إلا أن الطريق انقطع فجأة.
غيابٌ مُفاجئ وطويل
لم تتجاوز تجربة سارة قزاز خمس سنوات انتهت وهي في ذروة حضورها. في أوائل الثمانينيات، اختفى اسمها فجأة وتوقفت الإذاعة عن إعادة بث أعمالها. لم يكن غيابها تدريجيًا بل قاطعًا، كما لو أن الصوت الذي بدأ يتشكل في الذاكرة الموسيقية قرر أو أُجبر على التلاشي بلحظة.
كان لصوت سارة نبرة دافئة، وصفاء مميز، وشجنٌ هادئ يُطرب دون تكلّف، وربما لهذا وجد فيه الشعراء والملحنون مساحة مميزة للتعبير. يقول الأمير الشاعر الراحل بدر بن عبدالمحسن في إحدى مقابلاته: "سارة كانت صوتًا أكثر من رائع أوصل أشعاري"، قبل أن يتساءل كغيره عن سبب غيابها المفاجئ.
عند محاولة تتبّع أثرها اليوم، يبدو حضورها البصري شبه معدوم. بحثٌ طويل يوصلني إلى صورة واحدة يتيمة تجلس فيها مبتسمة بخجل إلى جانب الفنان طلال مداح. صورة تختزل تجربة كاملة لأرشيف مفقود، لا مقابلات ولا ألبومات ولا سردية مكتملة لرحلتها؛ فقط تسجيلات متفرّقة مازالت تتداول حتى اليوم، تؤكد أن هذا الصوت، وإن كان عابرًا، كان لافتًا بما يكفي ليقاوم النسيان ويبقى معلّق بالذاكرة بلا تاريخ مكتمل ولا نهاية واضحة.






