ارتبط اسم صباح فخري بمدينة حلب، التي حمل تراثها الموسيقي إلى المسارح العربية والعالمية طوال مسيرة امتدت لعقود. فمنذ طفولته، تلقى تعليمًا موسيقيًا مكّنه من إتقان المقامات وأساليب الأداء الطربي، وقد درس الموسيقى وفن التوشيح ورقص السماح في حلب على يد أستاذه الشيخ عمر البطش.. قبل أن يصبح هو بدوره أحد أبرز رموز الغناء العربي التقليدي.
ورغم ارتباطه الوثيق بالقدود الحلبية، لم تقتصر تجربته عليها، بل شملت خمسة ألوان موسيقية أظهر من خلالها قدراته الصوتية ومهاراته في الارتجال والتعبير.
القدود الحلبية.. الهوية الموسيقية لمدينة حلب
تُعد القدود الحلبية اللون الأكثر ارتباطًا بصباح فخري، الذي أسهمت حفلاته وتسجيلاته في انتشار هذا التراث خارج موطنه الأصلي.
وتتميز القدود بألحان متوارثة تُؤدى عليها نصوص غنائية مختلفة، وقد منحها صباح فخري حضورًا جماهيريًا واسعًا، لتصبح تسجيلاته مرجعًا مهمًا لهذا الفن الذي أدرجته اليونسكو عام 2021 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية.
الموشحات الأندلسية.. من التراث إلى الأداء الطربي
احتلت الموشحات مكانة أساسية في تجربة صباح فخري، وهي من القوالب الغنائية التي ارتبط تطورها بالأندلس، قبل أن تستقر تقاليد أدائها في مدن عربية عدة، أبرزها حلب.
وتتطلب الموشحات إلمامًا بالمقامات والإيقاعات المركبة، إلى جانب الدقة في الانتقال بين الجمل اللحنية، وهي مهارات أظهرها صباح فخري في حفلاته الطويلة.
المواويل.. مساحة الارتجال والسلطنة
شكّل الموال إحدى أبرز المساحات التي استعرض فيها صباح فخري قدراته على الارتجال والتحكم بالصوت.
ومن الأشكال التي برع في تقديمها الموال السبعاوي، المؤلف من سبعة أشطر شعرية ذات نظام خاص في القوافي. وكان يوظف التكرار والمدود الصوتية والوقفات لتطوير الأداء تدريجيًا، وخلق حالة من التفاعل الطربي مع الجمهور.
القصائد.. تجربة "انتهينا" مع عبد العزيز خوجة
لم يقتصر اهتمام صباح فخري على الغناء التراثي، بل امتد إلى تلحين القصائد العربية الفصيحة.
ومن أبرز تجاربه قصيدة "انتهينا" للشاعر السعودي عبد العزيز خوجة، التي وضع لحنها بنفسه، وقدم من خلالها عملًا مختلفًا عن القدود والموشحات، جمع بين التعبير الشعري والبناء اللحني الخاص.
الدور.. إحياء تقاليد الغناء العربي الكلاسيكي
كان الدور حاضرًا أيضًا في حفلات صباح فخري، وهو قالب غنائي عربي تقليدي يمنح المطرب مساحة واسعة للتصرف اللحني والارتجال.
ومن الأعمال التي قدمها "أصل الغرام نظرة" و"ياما أنتا واحشني"، إلى جانب أدوار الشيخ زكريا أحمد، وفي مقدمتها "إمتى الهوى".
ومن خلال هذه الألوان الخمسة، تجاوز إسهام صباح فخري حدود الأداء الغنائي، ليصبح أحد أهم الأصوات التي حفظت جانبًا من الذاكرة الموسيقية العربية. فقد جمع بين الالتزام بأصول التراث والقدرة على تجديد حضوره في الحفلات، مؤكدًا أن استمرارية الموسيقى التقليدية لا تعتمد على حفظ ألحانها وحدها، بل على إعادة تقديمها بصوت قادر على التواصل مع كل جيل جديد.

