أصدر القيصر كاظم الساهر دويتو "تدخنين" ضمن ألبومه الجديد "بلا عنوان" الصادر منذ أيام، في تعاون جمعه بصوت نسائي جديد وصاعد هو صوت سندي لطي. وكاظم الذي لا يُكثر من تقديم الدويتوهات خلال مسيرته لا يبدو في اختياراته لهذا النوع من الأعمال باحثًا عن مجرد شراكة غنائية بقدر ما تحكمه معايير أكثر ارتباطًا بالصوت نفسه وخامته وقدراته ومدى قدرته على الانسجام مع العمل الذي يقدمه.
ولعل المتابع لتجربة الساهر يلاحظ أيضًا مدى انتقائيته لدى تقديم المواهب التي تشاركه التجارب التي يقدمها لجمهور أوسع، وهو ما جعل اختيار سندي لطي تحديدًا جديرًا بالتوقف عنده. فما الذي لفت انتباه القيصر إلى صوتها؟ ولماذا وجد فيها الصوت المناسب لمشاركة هذه القصيدة تحديدًا؟
سندي لطي فنانة لبنانية وعازفة عود اكتشفت موهبتها في سن مبكرة، وخاضت خلال مسيرتها عددًا من تجارب برامج اكتشاف المواهب من بينها مشاركتها في الموسم الخامس من برنامج "ذا فويس: أحلى صوت" عام 2019. وعلى الرغم من تنوع ما قدمته بين أنماط البوب والغناء الطربي فإن انتماءها الواضح إلى المدرسة الطربية ظل أحد أبرز ملامح تجربتها، وهو ما انعكس في اختياراتها الفنية وحضورها على المسرح.
وعلى مدار السنوات حملت سندي لواء الطرب في حفلات أقامتها في عدد من البلدان من بينها لبنان والمملكة العربية السعودية وتونس وغيرها، مقدمة باقة من أعمال كبار الغناء العربي من أم كلثوم وفيروز ووديع الصافي إلى أسمهان وفريد الأطرش ونجاة الصغيرة وغيرهم. وإلى جانب الحفلات تحضر سندي عبر منصاتها الرسمية ومواقع التواصل الاجتماعي من خلال مجموعة من الكفرات الطربية، كثير منها برفقة العود الذي يشكل عنصرًا أساسيًا في صورتها الفنية، فضلًا عن حرصها على مشاركة مقاطع من حفلاتها مع جمهورها.
هذه الاختيارات لم تكن مجرد مساحة لإعادة تقديم الأغنيات الكلاسيكية بل تحولت إلى وسيلة لإبراز جماليات صوت سندي وقدرتها على التعامل مع الجمل الطربية بسلاسة وأريحية. وهو ما جذب تفاعل الجمهور كما لفت انتباه عدد من الفنانين وفي مقدمتهم كاظم الساهر نفسه.
وبحسب ما صرحت به سندي، فإن الساهر استمع إلى مقطع من أغنية "سهرت منه الليالي"كانت قد نشرته، فأعجب بأدائها وصوتها، ورأى فيها قدرة تستحق أن تُمنح مساحة أكبر. ومن هنا جاء قرار اختيارها لمشاركته غناء "تدخنين". وسُجل العمل في استديو ميشيل فاضل ورغم التناغم الواضح بين الصوتين في الدويتو، فإن سندي وكاظم لم يلتقيا حتى الآن بشكل مباشر إذ كان التواصل بينهما هاتفيًا خلال مراحل العمل وصولًا إلى الصورة النهائية التي خرج بها الدويتو.
لكن اختيار سندي لا يبدو منفصلًا عن طبيعة "تدخنين" نفسها، فالعمل من أشعار الشاعرة لميعة عباس عمارة، ويظهر صوتها وهي تلقي القصيدة في مقدمة الأغنية بينما جاء التوزيع الموسيقي لميشيل فاضل. والقصيدة في أصلها تقوم على حوار بين رجل وامرأة ولذلك فإن وجود صوت نسائي في الأغنية ليس مجرد إضافة لخلق حالة الدويتو، وإنما يبدو أقرب إلى استعادة البنية الدرامية للنص وروحه الأصلية.
هنا تحديدًا تكتسب مشاركة سندي أهمية أكبر، فالصوت النسائي لا يأتي كعنصر ثانوي إلى جوار صوت الساهر وإنما يصبح جزءًا أساسيًا من الحوار الذي تقوم عليه القصيدة. وبالتالي فإن اختيار صوت قادر على حمل الجملة الطربية والحوار الشعري في الوقت نفسه كان ضرورة فنية.
وفي صوت سندي وجد الساهر ما يخدم هذه المعادلة، فهي تمتلك خامة تنتمي إلى الغناء الطربي وفي الوقت نفسه تبدو متمكنة من تقديم الجمل الغنائية بأريحية وهو ما يسمح للصوتين بالوقوف جنبًا إلى جنب من دون أن يفقد الدويتو هويته الأساسية أو يتحول إلى استعراض لقدرات صوتية منفصلة
كما أن هذه الخطوة تنسجم مع جانب آخر من تجربة كاظم الساهر في التعاون مع الأصوات الجديدة، فالقيصر سبق أن منح أصواتًا شابة مساحة إلى جواره كما حدث مع أسماء لمنور في مرحلة سابقة، ومؤخرًا مع سهيلة بهجت التي شاركته غناء مقطع في أغنية "الليل" ضمن ألبومه السابق "مع الحب" من بين تجارب سابقة كثيرة.
لذا يمكن قراءة تجربة "تدخنين" ضمن السياق الأوسع، فكاظم الساهر لا يبحث دائمًا عن الصوت الأكثر شهرة عندما يقرر مشاركة فنان آخر الغناء، وإنما قد يبحث عن الصوت الذي يضيف شيئًا إلى النص والعمل، حتى وإن ندرت تجاربه الأصلية كما هي في حالة سندي.






