عرفتُ عبير نعمة موسيقيًا قبل حوالي عشرين عامًا.. ثم تعرفت عليها شخصيًا قبل 24 ساعة من مقابلتها لغلاف بيلبورد عربية. وسرعان ما اتضح لي أن الاثنان واحد، وأنني أمام إنسانة صنعت الموسيقى هويتها ووجودها كاملًا.
ترقبت مقابلة الغلاف هذه لأكثر من عام، وأنا أفكر وأستعرض في ذهني عشرات المواضيع التي أتمنى لو أخوضها مع فنانة من هذا النوع. طوال تلك المدة، كنت أقود سيارتي وأنا أستمع بشكل شبه منتظم لألبوم حفلها في دار الأوبرا المصرية، والذي يضم مجموعة من أغانيّ المفضلة بصوتها، فأتخيل أني قد أسألها عن خيارها بافتتاح الحفل بأغنية "وينك"، أو إن كانت قد خاضت مع العازفين في تفاصيل التوزيعات الأوركسترالية الجديدة لأغنية "ودعت الليل"، أو عن شعور أدائها للمقطع الأوبرالي في "غني قليلًا يا عصافير"، الأغنية التي لم أمل من إعادة الاستماع إليها مرارًا وتكرارًا، بعدما جعلتني أيقن أن عبير هي بحق "عصفورة الغناء العربي".
أما حين جاءت لحظة اللقاء، فقررت وأنا أراقبها تدخل المكان، أنني لن أخبرها عن كل هذا.. لا عن الأغاني، ولا التقدير، ولا الأغنية الأولى التي سمعتها بصوتها، وأن أكتفي بأن أقوم بعملي كصحفية بحرفية عالية، وأترك لها أن تروي لي حكايتها كما يحلو لها.
وافقت عبير على لقائنا في مقهى صغير رشحه لها أحدهم. وصلت على الوقت ومع ذلك اعتذرت كثيرًا. منحت كامل اهتمامها لكل من في المكان، طرحت الكثير من الأسئلة المهتمة على الجميع، أنصتت بتركيز، ودرستنا بتمعن وكأنها تود التأكد أن ما ستقوله لنا لاحقًا سيقع على آذان صاغية. ومع مرور ساعة، شعرت أنني أنا -الشخص الذي سيجري المقابلة- قد تكلمت عن نفسي أكثر بكثير مما فعلت هي.
كانت عبير نعمة صوتًا يعرفه جمهور واسع من المحيط للخليج قبل أن تحظى حتى بأغانيها وألبوماتها الخاصة. ولا نعني هنا أنها كانت نجمة جماهيرية، بل كانت صوتًا استثنائيًا تردد صداه لدى خبراء الموسيقى والمستمعين الباحثين عن الثقل والصنعة. ظهرت لأول مرة في برنامج مواهب، لكنها كانت بالفعل في خضم رحلة الدراسة الموسيقية الأكاديمية حينها. وضعت صوتها على مشاريع لمؤلفين ومنتجين موسيقيين مثل شربل روحانا ومارسيل خليفة وجان ماري رياشي. نشطت بالحفلات الموسيقية حيث قدمت عشرات الكوفرات الطربية والكلاسيكية من تاريخ الموسيقى العربية لجمهور متنوع حول العالم، كما سافرت إلى وجهات غير اعتيادية في مهام موسيقية لأغراض بحثية وتوثيقية.
ثم، اكتملت الفراشة داخل الشرنقة، وخرجت عبير نعمة للجمهور ذاته كنجمة بوب لامعة عبر السنوات الماضية.. وجاء أوج النجومية بالتزامن -تقريبًا- مع دخول عبير عقدها الرابع. تجربة لا يمكن القول أنها نادرة تمامًا في تاريخ الموسيقى العربية، لكن المختلف هنا هو أن تأخير النجومية جاء عن سبق إصرار وتصميم. "أنا ما بآمن بالضو السريع" تخبرنا عبير "كنت عم بشتغل ع حالي كفنانة وكإنسانة.. عم بعمل تجاربي بالحياة فنيًا بالسفر وبإكتشاف الحضارات والموسيقى المختلفة.. بعتقد هاد كان بناء حجر ورا حجر لحتى وصلت هاللحظة. يمكن هي عم تتحضر باللاوعي تبعي".
لكن قبل هذه النجاحات الجماهيرية الواسعة، كان هناك من وصف عبير نعمة بـ "فنانة النخبة"، كانطباع مرتبط بالتقنية العالية في صوتها، وغنائها الحي لسنوات لألوان أدائية صعبة، من الأوبرا إلى الكوفرات الطربية. أما بعد العبور إلى النجاح التجاري، بات بإمكان عبير -بالفعل ثم بالقول- الرد بشكل حاسم على وصفها بالنخبوية: "أوقات كانوا يقلولي ياها بكتير حب.. كأنه عم يعطوني تصنيف رائع لازم افتخر فيه. بس أنا كان يزعلني… شو يعني نخبوية؟ أنا بغني للكبار وللصغار ولكل الناس. وهيدي الموسيقى رسالة بتوصل لكل إنسان" ثم تستدرك: "بس كنت دايمًا من جوا ابتسم وقول: انطروا.." وبابتسامة، تستعيد تلك الذكرى بفخر من كانت ثقته في مكانها، بعدما شهد الجميع على وصول نجوميتها لأوجها في السنوات الست الماضية.
جاءت لحظة الذورة تلك مع عدة أغاني متتالية، حصدت عشرات ملايين الاستماعات، وحجزت لعبير نعمة مقعدها الثابت على قائمة بيلبورد عربية 100 فنان منذ ذلك الحين. أغاني مثل "وينك" و"بصراحة" و"بلا ما نحس"، أصبحت راسخة في ذاكرة جمهور يطالب بها مع كل حفل إلى جانب أغانٍ أخرى كثيرة تدفع بالدموع إلى أعينهم مرة، وإلى عيني عبير نعمة مرة أخرى.
نشأت عبير نعمة في ظل الحرب الأهلية اللبنانية. اعتادت على الصعوبات والظروف الخارجة عن سيطرة عائلتها المتواضعة، لكنها أدركت أنه ما من ظرف قادر على إسكات صوت الموسيقى. تعلمت ذلك من أب تركت له الحرب إصابة رافقته مدى الحياة بعدما فقد ساقه، لكنها لم تتعارض يومًا مع شغفه بالغناء الذي بثه في أبنائه التسعة بإصرار وصرامة، وأولهم ابنته البكر عبير. صوته سند صوتها منذ طفولتها ليضبط جملها الموسيقية، ويلقنها أسلوب غناء سيدات الغناء العربي، من أسمهان وأم كلثوم وفيروز، لتنحفر تقنياتهن في حنجرتها المنضبطة، فيخرج الصوت نهاية قادرًا على أداء كل لون، ولكن بخامة عبير وخصوصيتها. وبحلول الوقت الذي فقد الأب نهايةً صوته بعد مدة من الصراع مع المرض، كان الآلاف حول العالم يحضرون حفلات عبير بحثًا عن صوت يعيدهم للوطن، ويأخذهم خارج هذا الزمن.
قبل أسابيع من مقابلة الغلاف، كانت عبير نعمة تقف على مسرح رويال ألبرت هول في لندن أمام جمهور ضخم جاء يسمعها، فيما بلدها لبنان تحت النار. استعادت أغنية "لبيروت" للسيدة فيروز، التي صدرت للمرة الأولى خلال الحرب الأهلية اللبنانية قبل خمسين عامًا، فغلبتها الدموع. أنهت أغنيتها ثم صعدت إلى الطائرة وعادت لبيتها في ضواحي بيروت بعدما تحدثت لجمهور لندن عن بلدها وخصوصيته. ليست هذه الحرب الأولى التي تشهدها الفنانة اللبنانية.. حقيقة دفعتني لسؤالها عن معنى صناعة موسيقى في أيام دون فرح، لتجيب مقتبسةً من نيتشه: "لولا الموسيقى لكانت الحياة خطأ. ونحنا بالتحديد بالأوقات اللي فيها عنف لازم نصنع موسيقى بعمق أكتر وبجمال أكبر وبتفاني أكتر من أي وقت مضى. مش ضروري بالموسيقى نخلص العالم. بس الموسيقى بتخلص الإنسان".
رغم شاعرية حضورها، والرقة التي تملأ المكان حين تبدأ عبير بالحديث، لكن كل إجابة تخرج عنها تترك محدّثها تحت انطباع واحد، بأنه أمام امرأة صلبة، تهندس الإحساس والفن والعاطفة بعين خبيرة. والخبرة هنا مفردة تستحق التوقف طويلًا عندها، فالنجمة لم تصل إلى هذه اللحظة، وهذا المقعد، وهذا الغلاف، إلا بعد مشوار طويل لم يعرف التنازل ولا الاستسهال، أعطى الأولوية للتعلم والثقافة والتفرد، والخروج عن السائد.
ومع تدرج الحديث لهذه النقطة، ودونما سابق تحضير، قفز سؤال ختامي إلى رأسي، هل كانت لتغير أي شيء في رحلتها هذه؟
أقل من 24 ساعة مع عبير نعمة كانت كفيلة لأعرف إجابتها على السؤال قبل أن تنطقها.

