عندما كنا نحضّر للقاء غلاف شهر أكتوبر مع كارول سماحة، آخر ما توقعناه هو أن نلتقي أولًا بكارول الأم. كانت تروي لنا حكايات عن ابنتها، وتتحدث بحماس عن نجاحاتها الصغيرة التي ترويها بكل شغف، وتضبط إيقاع يومها كي لا تتأخر عن التزاماتها معها. بدا أن الأمومة، ذلك الحلم الذي انتظرته طويلًا، قد احتلت مكانًا متقدمًا في حياة امرأة أمضت أكثر من ربع قرن تتنقل بين المسارح والاستوديوهات، وتمنح الفن الجزء الأكبر من وقتها.
من الصعب اختصار كارول سماحة في صورة واحدة. فهناك كارول التي عرفها جمهور مسرح الرحباني، وكارول التي دخلت عالم البوب بأغنيات عاطفية وكليبات جريئة في معالجتها البصرية، وكارول الممثلة والراقصة والملحنة والمنتجة، ثم كارول الأم التي دخلت تجربة الأمومة والزوجة في مرحلة متقدمة نسبيًا من حياتها، ووجدت نفسها بعد سنوات أمام واحدة من أقسى تجاربها الشخصية مع وفاة زوجها المنتج وليد مصطفى بعد صراع طويل مع المرض.
وبين هذه الشخصيات، ثمة امرأة واحدة، تبدو شديدة الوضوح في اختياراتها، حتى حين تبدو تلك الاختيارات متناقضة.
في منزل عائلتها، استمعت كارول إلى محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي وفيلمون وهبي، وإلى الموسيقى الكلاسيكية الغربية، من بيتهوفن إلى تشايكوفسكي. كان والداها يعملان في التعليم، فيما بدأت موهبتها الموسيقية بالظهور في سن مبكرة، حين راحت تحاول التلحين وهي في السادسة من عمرها. لاحقًا، درست التمثيل والإخراج في جامعة القديس يوسف، لتدخل عالم الفن من باب مختلف عن ذلك الذي ستعرفها منه الجماهير بعد سنوات.
لم تدخل كارول عالم الفن من بوابة الأغنية التجارية، كما فعل كثيرون من أبناء جيلها. كانت بدايتها من المسرح، وتحديدًا من عالم منصور الرحباني، أحد أبرز صنّاع المسرح الغنائي العربي، بما فيه من فيه موسيقى وشعر وحكاية، وأسئلة كبرى عن الحرية والسلطة والهوية، اسئلة امتدت معها حتى اليوم.
في التسعينيات، كان منصور الرحباني يواصل مشروعه المسرحي بعد انفصال الشراكة الفنية التي جمعته بشقيقه عاصي. دخلت كارول هذا العالم ممثلة ومغنية، وشاركت في أعمال مثل "آخر أيام سقراط" عام 1998، و"أبو الطيب المتنبي" عام 2001، ثم "ملوك الطوائف" عام 2003. وعلى امتداد تلك السنوات، كانت تتعلم حرفة يصعب على المغني أن يتقنها من خلال الاستوديو وحده: كيف يسكن شخصية أخرى، وكيف يروي حكاية بصوته وجسده، وكيف يحافظ على انتباه الجمهور طوال عرض مسرحي كامل.
تروي لنا في اللقاء إحدى ذكرياتها عن منصور الرحباني، حين سمع صوتًا خلال البروفات، وسأل عن صاحبته. كانت تلك إحدى اللحظات التي فتحت لها الطريق إلى عالم سيترك أثرًا عميقًا في تكوينها الفني.
في مطلع الألفية، غنّت "بصباح الألف الثالث"، عمل يحمل خطابًا إنسانيًا واجتماعيًا، بصياغة موسيقية تنتمي إلى عالم مختلف تمامًا عن الأغنية الرائجة. حينها، كان الجميع يسأل: لم اختار منصور مغنية شابة في بداية مسيرتها لتقديم عمل ضخم، قيل مرارًا أنه كتب لفيروز. سؤال لا زال يتردد في ذهن كارول حتى اليوم دون إجابة واحدة.
كانت مدرسة الرحابنة هي محترفها الأول. لكنها، على أهميتها، لم تكن المدرسة التي أرادت أن تقضي حياتها كلها فيها. أمر بدا صعبًا لفنانة كانت في الثامنة والعشرين من عمرها، في حين يردد نقاد الموسيقى وعناوين الصحف والمجلات مقولة واحدة: كارول فيروز القادمة".
بالنسبة إلى كارول، لم يكن السؤال كيف تصبح فيروز أخرى، بل كيف تصبح كارول سماحة.
أن تُقارَن فنانة شابة بفيروز يعني أن توضع منذ البداية أمام نموذج يكاد يستحيل تجاوزه، وأن يُنتظر منها أن تكون امتدادًا لصوت آخر، بدلًا من أن يُترك لها المجال لاكتشاف صوتها الخاص.
أمام هذه الإطراء، لم تضعف عزيمتها في بناء مسيرة منفردة. انطلقت منفردة لصنع أول ألبوم في مسيرتها. بالنسبة إلى كارول، لم يكن الانفصال عن عالم الرحابنة مجرد انتقال مهني. كان محاولة لامتلاك حكايتها.
حين بدأ "حلم" كارول سماحة
عام 2003، أصدرت كارول ألبومها الأول "حلم"، ودخلت به عالم البوب العربي الذي كان يعيش آنذاك واحدة من أكثر مراحله ازدهارًا.
كانت الفضائيات الموسيقية تصنع نجومًا جددًا، وكانت الأغنية المصورة قادرة على تغيير مسار فنان خلال أسابيع. في تلك السنوات، لم يعد الصوت وحده كافيًا؛ صار للصورة، ولطريقة أداء الأغنية أمام الكاميرا، وللشخصية التي يقدمها الفنان، دور لا يقل أهمية عن الموسيقى نفسها.
وجدت كارول في هذا التحول مساحة لتوظيف ما تعلمته على المسرح.
مع "اتطلع فيي هيك"، التي شكلت أولى تعاوناتها مع مروان خوري والمخرجة نادين لبكي في الصورة، بدأت ملامح نجمة بوب مختلفة بالظهور.
ثم جاء ألبوم "أنا حرة" عام 2004، بأغنيات حملت وجوهًا مختلفة للمرأة، من العاشقة إلى المتمردة، ومن الضعيفة إلى تلك التي ترفض أن يحدد الآخرون مصيرها. وبدأت تتبلور بصمة كارول أكثر، بموسيقى جمعت التانغو، الهاوس، الأفروبيت، وغيرها كمن تأثيرات موسيقية عرفتها فنانة "مثقفة" موسيقيًا، ومجهزة "عمليًا" بتقنيات الصوت والحضور والأداء.
مع أغنية "حبيت دلوقت"، وجدت كارول طريقها إلى الجمهور المصري. ولم يكن دخولها السوق المصرية تفصيلًا عابرًا؛ ففي تلك المرحلة، كانت القاهرة إحدى أهم ساحات المنافسة في صناعة البوب العربي، وكان الغناء باللهجة المصرية خيارًا شائعًا لدى الفنانين اللبنانيين الباحثين عن انتشار أوسع.
لكن كارول لم تكتفِ بتغيير اللهجة. كانت تحاول، في كل مرحلة، أن تجد شكلًا جديدًا لحضورها.
في المقابل، لم تكن هذه الخيارات خالية من المخاطرة. فالفنانة التي خرجت من مدرسة مسرحية مرموقة، وامتلكت صوتًا قادرًا على أداء الأعمال الغنائية الكبرى، كانت تدخل سوقًا تحكمه قواعد مختلفة، وقد تضطر فيه إلى إثبات نفسها من جديد، أمام جمهور لا يعرف شيئًا عن تاريخها المسرحي.
امرأة بأكثر من وجه
لم تتوقف كارول سماحة عن تغيير الأدوار. في عام 2009، أصدرت "حدودي السما"، ودخلت مرحلة جديدة من الاستقلال الفني والإنتاجي. لم تعد معنية فقط باختيار ما تغنيه، بل أيضًا بالمشاركة في القرارات التي تحدد كيف يصل عملها إلى الجمهور.
وكان لذلك ثمنه بطبيعة الحال. فالفنان الذي يتحمل مسؤولية إنتاج أعماله يمتلك حرية أوسع، لكنه يتحمل أيضًا مخاطر النجاح والإخفاق. تجربة أتعبت كارول، عبرت عنها بمزحة: "ما بعيدها".
رغم أنها درست التمثيل والإخراج في جامعة سانت جوزيف وتخرجت منها بدرجة الماجستير، كان حضورها في الدراما والتلفزيون أقل، وفي عام 2011، أدّت شخصية صباح في مسلسل "الشحرورة"، وهي واحدة من أكثر الشخصيات الفنية العربية تعقيدًا، وأشدها حضورًا في الذاكرة الشعبية.
كان اختيار كارول للدور منطقيًا من ناحية، ومثيرًا للمقارنة من ناحية أخرى. فهي، مثل صباح، فنانة لبنانية جمعت بين الغناء والتمثيل والاستعراض، وعرفت طريقها إلى الجمهور المصري. لكن صباح كانت أيضًا شخصية عامة استثنائية، بحياة شخصية تحولت إلى مادة دائمة للصحافة والفضول الشعبي.
تفاوتت ردود الفعل على العمل، لكن التجربة أعادت التذكير بجانب من موهبة كارول.
لاحقًا، عادت إلى التمثيل السينمائي في "بالصدفة"، فيما واصلت تقديم الأغنيات المصورة والعروض التي تستثمر قدراتها في الرقص والاستعراض.
ومن اللافت أن كارول، رغم كل هذه التجارب، لا تزال تصر على تعريف نفسها بوصفها مغنية بوب. قد يبدو هذا التعريف أقل اتساعًا من تاريخها الفعلي، لكنه ربما يكشف شيئًا عن رغبتها في ألا تتحول إلى فنانة تعيش على إرثها.
بين منصور وزياد.. علاقة لم تنتهِ بالرحيل
لم يكن خروج كارول من المسرح الرحباني قطيعة نهائية.
ففي عام 2007، عادت لتؤدي بطولة "زنوبيا"، العمل الذي كتبه منصور الرحباني حول الملكة التاريخية التي تحدّت الإمبراطورية الرومانية.
بعد سنوات، التقت موسيقيًا بزياد الرحباني، في تجربة حملت طابعًا مختلفًا عن عالم والده عاصي وعمه منصور.
كان زياد ابن المدرسة الرحبانية ومتمرّدها في الوقت نفسه. أخذ من إرث العائلة ما أراده، ثم بنى عالمًا موسيقيًا ومسرحيًا مستقلًا، أكثر التصاقًا بالمدينة وتناقضاتها، وأقل ميلًا إلى الصورة المثالية التي ارتبطت ببعض الأعمال الرحبانية القديمة.
وفي هذا التقاطع بين كارول وزياد، شيء يتجاوز التعاون الموسيقي. فكلاهما، بطريقته، عرف معنى أن ينتمي إلى مدرسة فنية كبيرة، ثم يسعى إلى تكوين هويته خارج حدودها.
وحين رحل زياد عام 2025، كان ذلك فصلًا آخر من تاريخ موسيقي شهدت كارول بعض أهم تحولاته، من داخل المسرح الرحباني إلى خارجه. بأغنية من تلحين وكلمات وتزويع زياد، فجرت كارول تعاونها المفاجئ مع زياد بعد رحيله، "ما بتنترك وحدك"، أغنية يشعر من يسمعها أنها تشبهه وتشبهها.نتيجة جاءت بعد عدة أعمال عرضها زياد عليها، لكنها اكتفت بأداء عمل واحد منها، ومازحة قالت عن زياد المعروف بصعوبة بانتقائية شديدة عندما يتعلق الأمر بتعاوناته: "قلي زياد أنتي الفنانة الوحيدة يلي قالتلي لاء".
نجمة بوب في زمن لم يعد يشبه بداياتها
في عام 2024، عادت كارول بألبوم "مختلفة"، بعد غياب طويل عن إصدار الألبومات الكاملة.
لم يكن اسم الألبوم بعيدًا عن تاريخها. فالاختلاف، أو الرغبة فيه على الأقل، رافق مسيرتها دائمًا. لكن صناعة الموسيقى التي عادت إليها لم تعد تشبه تلك التي استقبلت "حلم" عام 2003.
تدرك كارول حجم هذا التحول، لكنها لا تبدو مستعدة للتعامل معه بوصفه تقدمًا مطلقًا. "عم أتأقلم.. بس مش مبسوطة".
تتحدث عن التخمة التي خلقتها وسائل التواصل الاجتماعي، وعن الأغنيات التي أصبحت تُستهلك بسرعة، حتى تشبّهها بمنتجات السوبر ماركت.
وترى أن الفنان أصبح، إلى حد بعيد، رهينة للتريند والـ"هوك"، في صناعة لا تمنح العمل دائمًا الوقت الكافي ليعيش وينمو.
على العكس، تفاجئني حين نتحدث عن الموسيقى التي تستمع إليها، لتخبرني عن إعجابها بتايلور سويفت، واهتمامها بأسماء من المشهد الموسيقي البديل.
وتبدو مدركة لتحول آخر يحدث على الساحة الموسيقية: أن الموسيقى التي كانت تُصنّف يومًا بوصفها "أندرغراوند" أصبحت تنافس البوب التقليدي على جمهوره، بل وتعيد تعريفه.
في إحدى أكثر لحظات حديثنا إثارة للاهتمام، تحاول كارول أن تجد عنوانًا للزمن الذي نعيشه. ثم تقول: "عصر الـAttention.. عصر التفاهة".
لم يعد السؤال فقط عن جودة الأغنية، بل عن قدرتها على جذب الانتباه وسط سيل لا ينتهي من المحتوى. ولم يعد الفنان ينافس الفنانين الآخرين وحدهم، بل كل ما يظهر على شاشة الهاتف، من الأخبار إلى المقاطع الكوميدية، ومن الإعلانات إلى الفيديوهات المصنوعة بالذكاء الاصطناعي.
تبدو مسيرة كارول مثيرة للاهتمام، عبرت أكثر من مرحلة من مراحل صناعة النجومية. عرفت زمن المسرح الذي يحتاج إلى سنوات من التدريب، وزمن الفضائيات التي كانت تصنع النجوم عبر الفيديو كليب، ثم زمن المنصات الرقمية الذي بات يختصر رحلة الانتشار أحيانًا في ثوانٍ قليلة.
ورغم كل ما تبدّل حولها، حافظت كارول على مسيرة متزنة نسبيًا، لم تنجرف مع كل موجة جديدة، ولم تنكفئ أيضًا إلى نجاحات الماضي. وربما تكمن خصوصية تجربتها في هذا التوازن تحديدًا؛ أنها واحدة من فنانات قليلات نجحن في أن يتحررن من إرثهن.
ومع كل هذا التغيير، لم تتوقف عن إصدار الموسيقى أو البحث عن أشكال جديدة لتقديمها.
قد لا تكون كل تجاربها ناجحة بالقدر نفسه، وقد لا تحظى كل أعمالها بالانتشار الذي حققته أغنيات البدايات. لكن الاستمرار، بالنسبة إلى فنانة عاصرت كل هذه التحولات، لا يقاس فقط بعدد الأغنيات الناجحة.
الحلم لا ينتهي
في بداية لقائنا، سألت كارول عن الحلم الذي بدأته قبل أكثر من عشرين عامًا، حين قررت أن تغادر عالم الرحابنة لتصنع مسيرتها المنفردة.
كان سؤالًا عن الماضي، لكنه في الحقيقة كان محاولة لفهم علاقتها بالحاضر، وهل لازال الحلم نفسه اليوم؟
وحين أفكر مجددًا في كارول الأم التي التقيتها خلال التحضير، وفي تلك الفنانة الشابة التي غادرت عالمًا فنيًا كبيرًا بحثًا عن مساحة تخصها، يبدو لي أن المسافة بينهما ليست بعيدة كما تخيلت في البداية.
في النهاية اللقاء، كنت قد حصلت على الإجابة التي أبحث عنها، لم ينته الحلم الذي بدأته مع ألبومها الأول، تغير، تبدل، وتوسع ليحتوي فنانة أكبر من القوالب الجاهزة.

