أصدر خالد علي في أغسطس الماضي ألبومه القصير "شاليه 5"، الذي ضم خمس أغنيات، ليواصل به ترسيخ حضوره في المشهد الموسيقي. ورغم أن مسيرته لا تزال قصيرة نسبيًا، فقد نجح خلال فترة وجيزة في لفت أنظار شريحة واسعة من جمهور جيل زد، إذ جاءت خطواته الأولى حافلة بمحطات لافتة كشفت تدريجيًا عن ملامح مشروعه الموسيقي.
خالد علي هو الشقيق الأصغر لويجز، ويصغره بثلاثة أعوام فقط. أحب الموسيقى منذ الصغر، لكنه اختار منذ البداية أن تكون خطواته الأولى بعيدة نسبيًا عن تجربة شقيقه ولونه الموسيقي. ويشترك الأخوان في موهبة الكتابة، إذ يكتب كل منهما كلماته بنفسه، إلا أن خالد فضّل أن يشق مسارًا مختلفًا، متجهًا نحو تقديم البوب بصياغة معاصرة تتماشى مع ذائقة الجيل الجديد، بعيدًا عن لون الهيب هوب الذي ارتبط بتجربة ويجز في بداياته.
وفي أحدث ظهور جمع الشقيقين في برنامج "صاحبة السعادة"، أشار ويجز إلى أن خالد اختار منذ البداية أن يخوض تجربته منفردًا وأن يعتمد على نفسه. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف تشكلت هذه التجربة؟ وما المحطات التي ساعدت خالد على إيجاد صوته الخاص؟
الخطوة الأولى وتقاطعها مع كرة القدم
مثل كثير من الشباب ارتبطت إحدى هوايات خالد علي بكرة القدم، وكانت أولى خطواته الغنائية من خلال تريو جمعه بهشام جمال ومسلم عبر أغنية "أفريقيا المحسومة" التي جاءت دعمًا للنادي الأهلي. حملت الأغنية طابع الهيب هوب وكتب خالد كلماتها بنفسه بينما تولى إيفو إنتاجها الموسيقي، ورغم أنها كانت تجربة أولى أكثر ارتباطًا بأجواء كرة القدم وجمهور النادي فإنها مثلت نقطة الانطلاق الرسمية لخالد في عالم الغناء.
وبعدها بعدة أشهر أصدر خالد أول ألبوماته القصيرة "باسبور" الذي ضم 4 تراكات تنتمي في معظمها إلى أجواء الهيب هوب والآر-أند-بي ومن خلال هذا الإصدار بدأت ملامح صوته في الظهور بشكل أوضح، مع وجود تشابه طبيعي في خامته مع صوت ويجز إلا أن خالد حاول منذ البداية تقديم نفسه من خلال معالجة موسيقية مختلفة. وصور من الألبوم أغنيتي "مراسي" و"تراي مور" كفيديو كليب ليشكل الألبوم بمثابة بطاقة تعريف أولى للجمهور بموهبته وبالعالم الموسيقي الذي يحاول بناءه.
https://youtu.be/k0PMNL6GNqs?si=009eb0pa6gnN-KoB
لم يتعامل خالد مع الأرقام باعتبارها الهدف الأساسي، بل واصل إصدار الأغنيات بشكل متتابع خلال عام 2024 من بينها "ولا شغلوني" و"زي ما"وبرز في إنتاج الأخيرة استخدام الساكسفون ضمن التوزيع الموسيقي الذي نفذه Ohpei، في إشارة إلى اهتمامه بالتفاصيل الموسيقية وعدم الاكتفاء بقالب واحد. وفي هذه المرحلة، وقد ظل ويجز حاضرًا كداعم لشقيقه سواء من خلال إعادة نشر أغنياته أو تهنئته عبر خاصية الستوريز دون أن يتحول ذلك إلى محاولة لفرض تجربته على مسار خالد.
خالد نحو مساحة أكثر رقة
مع بداية عام 2025 بدا خالد وكأنه يتحرك تدريجيًا نحو جانب أكثر رقة وعمقًا مع اقترابه من البوب التجريبي. ومن أبرز محطات هذه المرحلة أغنية "تصبح رماد" التي كُتبت لفيلم يحمل الاسم نفسه، وقدمت جانبًا أكثر هشاشة من شخصية خالد الفنية خصوصًا على مستوى الأداء والتعبير عن المشاعر.
وبخلاف هذه الأغنية اكتفى خالد خلال العام بإصدار أغنيتين منفردتين إلا أن إحدى أهم محطاته في 2025 جاءت بعيدًا عن الإصدارات، عندما افتتح إحدى حفلات ويجز في مهرجان العلمين إلى جانب ناصر وكانت المشاركة خطوة مهمة في توسيع دائرة جمهوره، إذ منحته فرصة الظهور أمام جمهور أكبر بأداء حي مع استمرار محاولته بناء هويته المستقلة.
أما 2026 فشهد نشاطًا ملحوظًا لخالد على مستوى الإصدارات والأهم أن صوته بدا أكثر وضوحًا واستقرارًا، مع اقترابه بصورة أكبر من موسيقى البوب وكأن السنوات الأولى من التجريب بدأت تقوده تدريجيًا إلى منطقة أكثر تحديدًا
افتتح إصداراته هذا العام بأغنية "إزاي أعيش" من إنتاج باش مهند، وهي تجربة أكثر رقة في تناول العلاقات العاطفية والتقلبات التي تصاحبها. وفيها يبدو خالد أكثر راحة في التعبير عن الجانب العاطفي سواء من خلال الكلمات أو الأداء لتصبح الأغنية واحدة من المحطات التي تكشف عن الاتجاه الذي يبدو أنه يفضله فنيًا.
ثم واصل إصدار أغنياته ومن بينها "بناديك" التي يأخذنا فيها إلى مساحة عاطفية هادئة تعتمد على ترك مساحة واسعة للإحساس ويقدم أداء يركز فيه على صدق المشاعر، ليقدم تجربة تقترب من الرومانسي كما مثلت الأغنية أولى إصداراته مع تسجيلات رعد.
خطوة مفاجئة تجمع بين حمزة نمرة وخالد علي
ومن المحطات اللافتة أيضًا علاقته القوية باليوتيوبر إياد الموجي مقدم البرنامج الأسبوعي الساخر "السبت الممتاز" وفي واحدة من أكثر الخطوات ذكاء في تقديم الأغنية للجمهور، استضاف إياد الفنان حمزة نمرة وخلال الحلقة تحداه أن يقدم لحنًا مفاجئًا لكلمات تُعطى له في اللحظة نفسها. كانت الكلمات من كتابة خالد علي لتتحول الفكرة بعد تسجيل الحلقة مباشرة إلى أغنية "أكدب وقول" التي صدر معها فيديو كليب من إخراج عمر الموجي.
قدمت "أكدب وقول" خالد في مساحة عاطفية أكثر نضجًا، أغنية عذبة عن الرجاء والافتقاد في الحب مع حضور واضح للهشاشة والضعف العاطفي. والأهم أن خالد لم يحاول مقاومة هذه الهشاشة بل جعلها جزءًا من أدائه وهو ما منح الأغنية قدرًا من الصدق ساعدها على تحقيق تفاعل ملحوظ.
جاء ألبومه القصير الجديد "شاليه 5" ليبدو كامتداد طبيعي لهذه المرحلة لكنه في الوقت نفسه كشف عن رغبة أكبر لدى خالد في تجربة أكثر من أسلوب موسيقي. ضم 5 أغنيات بينها تعاون وحيد مع الفنان الصاعد تاج إلا أن أكثر ما لفت الانتباه هو الطريقة التي بدأ بها خالد في توسيع المساحة الموسيقية التي يتحرك داخلها.
ومن أبرز الأمثلة أغنية "ليلة" التي تولى باش مهند إنتاجها الموسيقي كما فعل مع بقية أغنيات الألبوم وتحمل لمسات واضحة مستلهمة من الموسيقى اللاتينية من خلال حضور الجيتارات. وعلى مستوى الفكرة يعيش خالد في الأغنية حالة ما بعد الفراق، شخص يتمنى العودة إلى محبوبته ولو لليلة واحدة، بعدما قال ما لم يكن ينبغي له قوله ليصبح الندم جزءًا أساسيًا من الحكاية.
ورغم أن المقدمة الموسيقية للأغنية تمتد لأكثر من 40 ثانية قبل دخول الغناء، فإن هذا الخيار لا يبدو زائدًا عن الحالة التي تحاول الأغنية خلقها بل يعمل كتمهيد للدخول إلى عالمها العاطفي، ويمنح المستمع وقتًا للانتقال إلى حالة الافتقاد والندم التي يبني عليها خالد الأغنية.
في النهاية يبدو أن البوب خصوصًا في صيغته الأكثر رهافة وتجريبية أصبح المساحة التي يستطيع خالد من خلالها التعبير عن نفسه بصورة أكثر وضوحًا، هذا الاتجاه يتناسب أيضا مع طبيعة الموضوعات التي يختارها من العلاقات والاشتياق والندم إلى لحظات الضعف العاطفي، وهي موضوعات قريبة من التجربة الشعورية لشاب في العشرينيات.
تجربة خالد لا تزال في بدايتها ولذلك ربما يكون الأهم في هذه المرحلة ألا يُنظر إليه باعتباره "شقيق ويجز" بقدر ما يُنظر إليه كفنان يحاول بناء هويته الخاصة. وإذا واصل تطوير هذا الجانب من تجربته مع الحفاظ على مساحة التجريب وعدم الاستقرار على قالب واحد، فقد يصبح البوب العاطفي المعاصر المنطقة التي تتشكل فيها بصمته الموسيقية بصورة أكثر وضوحا.






