في طريقي إلى القاهرة للقاء استثنائي مع عمرو دياب، فكرت في "يا طريق"، إحدى أغانيه الأولى. لم تكن التي صنعت نجوميته، ولا التي تتبادر أولًا إلى الذهن عند الحديث عن مسيرته. لكنني عدت إليها تحديدًا يوم تكريمه وتسليمه لقب غينيس للأرقام القياسية، بعد 69 أسبوعًا في صدارة قائمة بيلبورد عربية لأفضل 100 فنان.
كانت الترتيبات كثيرة، بين فريق عمرو دياب وفريق بيلبورد عربية وفريق غينيس، إلى جانب التفاصيل اللوجستية والاستعداد للحظة تسليم اللقب.
وسط كل ذلك، ظلّ سؤال واحد يشغلني: كيف استطاع فنان أن يغيّر طريقه مرات لا تُحصى من دون أن يفقد وجهته؟ قاده كل منعطف إلى نجاح مختلف، والأهم إلى جيل جديد، من دون أن يترك خلفه الأجيال التي بدأت الرحلة معه.
لا تُقاس مسيرة عمرو دياب بعدد السنوات التي أمضاها في القمة، بل بعدد المرات التي تغيّر فيها الزمن وظل قادرًا على مخاطبته. فهناك مَن ينجح في زمنه، وهناك مَن يجعل أكثر من زمن يحمل اسمه.
لفهم صدارة عمرو دياب على أبواب الـ65، لا يكفي عدّ السنوات. علينا أن نتأمل تحولات الأغنية والسوق والجمهور، والثورات التقنية التي أعادت تشكيل صناعة الموسيقى.
فقد بدأ طريقه في زمن الكاسيت، حين كانت الأغنيات تُسجّل على الأشرطة داخل الاستوديو وتصل إلى الجمهور عبر الراديو ومحال بيع التسجيلات، وامتدت مسيرته إلى زمن الإنتاج الرقمي ومنصات الاستماع والخوارزميات. وبين المرحلتين، تغيّر شكل الأغنية ومدتها وإيقاعها وطريقة إنتاجها وتوزيعها، كما تغيّرت المقاييس التي يُحتسب بها النجاح: من مبيعات الألبومات والحفلات، إلى المشاهدات والاستماعات والترندات والقوائم الرقمية.
نادر أن يعيش فنان داخل أكثر من زمن، لا كصوت قادم من الماضي، بل كجزء من الحاضر.
عندما بدأ عمرو دياب، كان طريق الفنان إلى جمهوره يمرّ عبر الراديو والصحيفة والتلفزيون. لم يكن "المحتوى" موجودًا بصورته الحالية، ولم يكن مطلوبًا من الفنان أن يكون حاضرًا بصورة يومية على إنستغرام وتيك توك ومنصات التواصل الاجتماعي.
كل ذلك تغيّر. تغيّرت الأدوات، وتغيّر السوق، وتغيّرت علاقتنا بالموسيقى. حتى الجمهور نفسه لم يتغيّر مرة واحدة، بل مرات كثيرة.
ومع ذلك، بقي جمهور البدايات مع عمرو دياب. جمهور الكاسيت، ثم جمهور السي دي، ثم جمهور الإنترنت ويوتيوب، وصولًا إلى جيل منصات الاستماع والريلز والترندات. الجيل الذي استمع إلى "ميّال" و"راجعين" لا يزال يسمعه، والجيل الذي عرفه من "نور العين" بقي معه، فيما وصل هو نفسه اليوم إلى جيل يردّد "بابا" و"لولا البنات".
مع عمرو دياب، تكاد الحدود بين أجيال الجمهور تفقد معناها. فقد منح أجيالًا مختلفة ذكريات وابتسامات، وعاش معها حالات ومراحل كاملة من حياتها.
نعيش اليوم في عالم يصعب فيه أحيانًا أن يتفق جيلان على معنى النجاح أو العمل أو الاستقرار. فما يريده جيل زد من حياته ووظيفته لا يشبه بالضرورة ما أراده جيل آبائه. وإذا كان من الصعب مخاطبة جيلين داخل مكان عمل واحد، فكيف استطاع فنان أن يصل إلى أربعة أجيال، وأن يشعر كل واحد منها بأنه فنان جيله؟
صوت عبر كل هذه التحولات والكثير من اللغات٫ واحتفظ بالجمهور الذي بدأ معه، وفي الوقت نفسه فتح طريقًا إلى جمهور لم يكن قد وُلد أصلًا عندما بدأ الغناء.
مَن بحجم عمرو دياب اليوم؟
ليس السؤال عن الشهرة، فالساحة مليئة بالمشاهير. وليس عن أغنية ناجحة، فسوق الموسيقى يصنع نجاحًا جديدًا كل أسبوع. السؤال عن فنان يملك أرشيفًا يسكن ذاكرة الناس، وفي الوقت نفسه يطرح عملًا جديدًا ينافس به موسيقى اللحظة.
على أبواب الخامسة والستين، لا يتصدّر عمرو دياب قوائم النوستالجيا، بل قائمة بيلبورد عربية لأفضل 100 فنان اليوم، بعدما أمضى 69 أسبوعًا في المركز الأول.
وهنا يكمن الفارق: لسنا أمام نوستالجيا، بل أمام حاضر يحمل معه ذاكرتنا.
يكفي أن ننظر إلى أسماء كثيرة بدأت في المرحلة نفسها، وحتى إلى مَن لا يزالون نشطين منها اليوم: حضورهم الموسيقي، وعدد حفلاتهم، وطبيعة جمهورهم، وأرقامهم على منصات الاستماع. عندها نفهم أن هناك فرقًا بين مَن يحاول اللحاق بالزمن، ومَن يعرف كيف يحوّل كل زمن جديد إلى مساحة أخرى له.
هناك معنى مغاير لحصوله على لقبه الثاني من غينيس بعد كل هذه السنوات٫ وهناك قيمة مختلفة لبقائه في الصدارة طوال أكثر من أربعة عقود، في زمن لا يبقى فيه شيء ثابتًا، وتحدث تحولاته بسرعة تكاد تفوق قدرتنا على استيعابها.
عمرو دياب اليوم، لا يصعد إلى المسرح ليستعيد فقط ما كانه. صحيح أنه يستطيع أن يغنّي "رصيف نمرة خمسة" في حفلاته اليوم، فيعيد جيلًا كاملًا إلى ذكرياته وكأن الأغنية صدرت بالأمس. لكنه الفنان نفسه الذي يصدر أعمالًا جديدة تتصدّر القوائم وتنافس أسماء وُلد كثير منها بعد عقود من انطلاقته.
وهذا فرق جوهري.
عندما وصلنا والتقيناه، لفتني شيء آخر: تواضعه وامتنانه بهذه اللحظة. كان يعود في حديثه مرارًا إلى جمهوره، ويعتبر أن ما تحقّق يعود إليه بالدرجة الأولى. تحدّث عن محبته له، وعن حرصه على أن تتطور موسيقاه وتتنوّع معه، وعن أهمية أن يعرف كيف يستقبل الجمهور كل عمل جديد ويتفاعل معه.
راقبت أيضًا فريقه من حوله: فرحتهم به، وحرصه على أن يلتقط الصور معهم ويشاركهم اللحظة.
كثيرون تأثروا بعمرو دياب، وكثيرون حاولوا الاقتراب من معادلته أو تكرار جزء منها. لكن الفارق لا تصنعه أغنية ناجحة أو موسم قوي، بل آلاف التفاصيل والقرارات: اهتمام الفنان بصوته، وباختياراته، وبفريقه، وبصورته، وبشغفه، واستعداده لأن يعود إلى العمل كل يوم كأنه لا يزال في بداية الطريق.
بعد نشر فيديوهات التكريم، تكرّر عليّ سؤال واحد: كيف يبدو عمرو دياب في الحقيقة؟
ربما توحي نجومية بهذا الحجم، وما يرافقها من ضغط، بشخص بعيد أو دائم العجلة.
لكننا التقينا شخصًا متواضعًا ومنضبطًا، دقيقًا في تفاصيله من دون أن يفقد عفويته، ملتزمًا بموعده ولطيفًا مع الجميع. ومع أنه يعرف جيدًا حجم إنجازه، استمع باهتمام كامل إلى كلمات غينيس وبيلبورد وتفاصيل الرقم، من دون استعجال أو تململ. كان حاضرًا في اللحظة، حريصًا على مشاركة فريقه فرحتها، وممتنًا بصدق لجمهوره ولكل ما تحقّق.
عندها استعدت جملة غنّاها: "أنا مهما كبرت صغير...أنا مهما عليت مش فوق."





