عندما وقف عمرو عبد الباسط دياب أمام باب الفندق منتظرًا فرقة "المصريين" ليستقل معهم الباص المتجه من بورسعيد إلى القاهرة، كان يعرف جيدًا أن هاني شنودة هو المفتاح الذي سيفتح له باب الشهرة والنجومية.
تلك المغامرة التي بدأها عمرو دياب حاملًا بين يديه حلمًا وبصحبته مُنتج شاب من مدينته، طالبًا من موسيقار صاحب تجربة مهمة في الأغنية الحديثة أن يمهد له الطريق، فكانت النتيجة ألبوم "ياطريق".
والآن وبعد 43 عامًا مرت على هذا الألبوم، ننظر له باعتباره "الفصل الدراسي الأول" الذي تعلم فيه عمرو دياب، كيف يصبح بعد عقدين تقريبًا "الهضبة" صاحب الشعبية الأكبر، والأرقام القياسية، والجماهيرية العابرة للزمن في تاريخ الأغنية المصرية.
في سبتمبر 1983 ظهر المطرب الشاب عمرو دياب للمرة الأولى بألبوم كامل عنوانه "ياطريق". ثماني أغنيات حملت اسم شاب يتحسس الخطوات الأولى في مسيرته، دون أن يملك بعد تلك الشخصية التي سيصبح الجمهور قادرًا على التعرف إليها من أول جملة موسيقية.
حتى كلمة "ياطريق" نفسها تبدو، عنوانًا شديد الدلالة. شاب جاء من بورسعيد إلى القاهرة، يحمل حلمًا أكبر من خبرته، ويغني للمرة الأولى عن السير في الطريق، بينما حياته الفنية نفسها كانت قد بدأت للتو.
الفرار من التجارب السابقة
المهم في الألبوم ليس أنه كان بداية المسيرة فقط، بل أنه يكشف بوضوح أن عمرو لم يبدأ بهوية مكتملة، بل بدأ رحلته باحتمالات، وتأثر واضح بتجارب فنانين سبقوه بسنوات قليلة.
كان محمد منير حاضرًا بقوة في ذائقة المرحلة، خاصة بعد النجاح الكبير لألبوم "شبابيك" عام 1981، وكان طبيعيًا أن يتأثر به المطرب البورسعيدي الشاب، لكن هاني شنودة، الذي كان شريكًا أساسيًا في اكتشاف منير وتشكيل خطواته الأولى، أدرك أن تكرار التجربة مع عمرو سيضعه في الظل، ولذلك بحث له عن طريق آخر.
وكما قال لي هاني شنودة في مذكراته: "منير أكثر التصاقًا بالموضوعات الاجتماعية والثقافية والرمزية، وعمرو يمكن أن يكون وجهًا أخف وأكثر مباشرة وشبابية للأغنية الحديثة".
هذه لم تكن مجرد نصيحة فنية بقدر ما كانت أول عملية فصل لهوية عمرو عن هوية مطرب آخر، والأهم أن شنودة لم يتعامل مع خامة عمرو باعتبارها شخصية مكتملة، بل باعتبارها مادة يمكن تشكيلها ففي شهادته عن البداية، قال لي إنه رأى في صوت عمرو شبهًا بالمطرب البريطاني مات مونرو، ولذلك جاءت أغنية "الزمن" في منطقة رومانسية كلاسيكية غربية الروح، وطلب من عمرو أن يؤديها بهذا الإحساس، فيما أعاد عزيز الناصر تشكيل الأغنية توزيعًا بناء على رغبة عمرو.
نقطة هامة في كواليس ألبوم "ياطريق" لم يذكرها التاريخ كثيرًا، وهي محاولة عمرو دياب التخلص من سيطرة هاني شنودة على التجربة مبكرًا، فرغم الإتفاق على توزيع هاني لكل أغاني الألبوم بجانب الألحان الأربعة التي صاغها بنفسه، حاول عمرو أن يستفيد من تجربة عزيز الناصر مع فرقة "يحيى خليل"، فجاء به ليوزع أغاني الألبوم بالكامل ليمنحها مزيجًا من روح وأفكار شنودة، وبصمة الناصر.
محاولات بناء الهوية
لهذا بدا الألبوم وكأنه لا يقدم عمرو دياب الذي نعرفه، بل يقدم محاولات الوصول إلى شخصيته التي فرضت نفسها على كل تجاربه الموسيقية بالكامل.
فالمشروع نفسه لم يكن مغلقًا على صوت موسيقي واحد .. التوزيع الموسيقي لعزيز الناصر، بينما توزعت الألحان بين هاني شنودة وعزمي الكيلاني وياسر عبد الحليم، وكتب الأغنيات عبد الرحيم منصور وهاني زكي وعصام عبد الله وعوض الرخاوي.
هذا لا ينفي أن عدد لا بأس به من أغنيات الألبوم لم يشهد أي ثورة موسيقية واضحة، وهذه نقطة مثيرة للجدل لا تعكس شخصية عمرو الباحثة عن التجديد.
أغنية مثل "نور ياليل" بدت تكرارًا معتادًا لفكرة الأغنية الشرقية الكلاسيكية. في أغنية "المدينة" بدا الأمر وكأنها محاكاة ضعيفة لأغنية "عالمدينة" لمحمد منير، ومع أغنية "في أحضان الجبل" ظهر عمرو وكأنه يحاكي تجارب الرحبانية وفيروز في غناء موضوعات مفعمه بمفردات الطبيعة، ولكن بصورة سطحية لا تُعبر عن فكرة واضحة.
نصوص الأغنيات ذاتها لم تحمل هوية واضحة متماسكة على امتداد الألبوم، فجاءت الأغنيات وكأنها موضوعات رومانسية درامية تبكي على الأطلال تارة، أو تتحدث عن الحياة وعلاقات الناس في مواقف أخرى.
وبالتالي يمكن رؤية الألبوم وكأنه سلسلة اختبارات تبحث عن شخصية فنان جديد .. عمرو الحالم في "الزمن"، أو الأكثر حيوية في "بحب الحياة"، أو الشاب الذي يطل على المدينة ومشاغلها، أو ربما وعمرو الذي يدخل في منطقة أكثر تأملًا وفلسفية في "ياطريق".
ماذا بقي من "ياطريق"؟
لهذا تبدو الاختيارات وكأنها تنتمي إلى زمنها أكثر مما تنتمي إلى عمرو نفسه، أما الذي بقي منها طوال المسيرة فكان مُهمًا رغم عدم وضوحه، مثل خفة الجملة، مساحة الأداء التي تسمح للمطرب أن يكون شابًا لا حنجرة طربية، العلاقة البارزة بين التوزيع وشخصية الأغنية، و أن البساطة يمكن أن تكون جوهرًا للمشروع الفني.
لهذا لا يعد "ياطريق" اليوم مجرد ألبوم أول في مسيرة عمرو دياب، بل المكان الذي تعلم فيه أن الهوية لا تُكتشف فجأة بل تُبنى خطوة خطوة .
وهذا، ربما، هو أهم ما يجعل "ياطريق" عملًا يستحق أن نسمعه مجددًا بعد 43 عامًا، لأنه الدرس الأول في دروس تكوين شخصية واحد من أهم نجوم الغناء العربي في العصر الحديث.






