شهد عام 2026 زخمًا فنيًا لافتًا في مسيرة أحمد سعد سواء على مستوى الحفلات أو الإصدارات الموسيقية. فقد قدم حفلات مميزة داخل مصر وخارجها إلى جانب جولة أمريكية تزامنت مع كأس العالم، كما واصل منذ بداية العام سلسلة من التعاونات اللافت، بدأها بدويتو "زي زمان" مع أصالة، ثم تعاون مع ديستانكت في أغنية لإحدى شركات الاتصالات بأغنية "فلوس بابا" وصولًا إلى دويتو جمعه مؤخرًا بابنته جودي بعنوان "كدا كدا" مزج بين العربية والإسبانية.
واللافت في تجربة جودي أن أحمد سعد كان قد صرح سابقًا برفضه دخول ابنته عالم الغناء، لكن يبدو أن موهبتها أقنعته بإعادة النظر في موقفه، ليقدم معها دويتو بإيقاعات لاتينية أعاد إلى الأذهان بداياته وأجواء "أشكي لمين". وهنا تحديدًا تبدو فكرة التجريب حاضرة بقوة في تجربة سعد هذا العام ليس فقط من خلال التعاونات وإنما في الطريقة التي يعيد بها تقديم نفسه موسيقيًا.
أحمد سعد ومشروع موسيقي مختلف
لكن المشروع الأكبر الذي أعلن عنه سعد في بداية العام هو اعتزامه تقديم خمسة ألبومات، بحيث يمثل كل ألبوم جانبًا مختلفًا من شخصيته الفنية. وكانت البداية مع "الألبوم الحزين" ثم "الألبوم الفرفوش" وصولًا إلى "الألبوم الإلكترو" الذي صدر منذ أكثر من أسبوعين في أغسطس/آب الجاري، وهو الشهر الذي يحتفل فيه سعد بعيد ميلاده في 20 منه، ومن المنتظر، حتى نهاية العام أن تكتمل التجربة بألبومين آخرين: ألبوم للموسيقى العربية وآخر أوركسترالي.
بهذا الشكل لا يبدو مشروع الألبومات الخمسة مجرد استراتيجية لإغراق السوق بالإصدارات، بقدر ما يمثل محاولة واعية من أحمد سعد لتقسيم شخصيته الفنية إلى عوالم موسيقية مختلفة واختبار مدى قدرته على الانتقال بينها من دون أن يفقد بصمته الخاصة.
أحمد سعد وحقبة إلكترونية
صدر الألبوم الإلكترو بستة إصدارات مصحوبًا بهوية بصرية مترابطة من حيث الألوان أخرجها حسام الحسيني ويطغى عليها اللون الأخضر مع استحضار لهوية مستقبلية واضحة. وانعكس هذا التوجه أيضًا على الديكورات والملابس ليبدو أحمد سعد وكأنه يقدم أغنياته من عالم موازي أو كأن هذه الأغنيات نفسها عابرة للحدود والأزمنة.
لكن السؤال الأهم هنا: هل استطاع سعد أن ينقل هذه الفكرة من الصورة إلى الموسيقى فعلًا؟ الاستماع إلى الأغنيات ال6 يكشف عن محاولات متفاوتة في الإجابة عن هذا السؤال.
أغنيات بنكهات مختلفة تحت إطار إلكتروني
تأتي "الليلة" من كلمات محمد شافعي الذي تعاون مع أحمد سعد أكثر من مرة وحققا نجاحات لافتة من بينها "عليكي عيون" ودويتو "سبب فرحتي" مع أصالة. أما اللحن والتوزيع فجاءا بتوقيع علي فتح الله، أحد الأسماء البارزة في الموسيقى الإلكترونية والذي تعاون مع عدد من النجوم، واستطاع رغم تنوع تجاربه أن يترك بصمته بشكل واضح في هذا النوع من الموسيقى.
جاءت "الليلة" مبهجة ومصممة في الأساس لتدفع المستمع إلى الرقص والاحتفال، لكن الاحتفال هنا لا يرتبط فقط بالحب أو العلاقة العاطفية، بل يبدو أقرب إلى احتفال بالحياة وبالذات. وهي بداية مناسبة لعالم سعد الإلكتروني لأنها لا تحاول أن تكون معقدة أكثر من اللازم وإنما تعتمد على الطاقة والإيقاع.
أما "محيراني" فهي من كلمات أحمد حسن راؤول ولحن مروان السداوي وتوزيع وسام عبد المنعم. الأغنية تقدم حالة غزل وحب للمحبوبة على لحن سلس يليق بصوت أحمد سعد، ويترك له مساحة لاستعراض إمكانياته الصوتية لكن ضمن إطار إلكتروني واضح.
وفي بعض الفواصل يبدو التوزيع وكأنه يستعين بأصوات أو مؤثرات قد تمنح الانطباع باستخدام أدوات وتقنيات قريبة من تلك التي توفرها برامج الذكاء الاصطناعي. من الصعب الجزم بأن ذلك كان مقصودًا فعلًا، لكنه في كل الأحوال يتماشى مع رغبة المشروع في الاقتراب من الصوت الإلكتروني الحديث ومواكبة التطور التكنولوجي الذي يشهده إنتاج الموسيقى حاليًا.
ومن خلال أغنية "تسعة ونص" التي كتبها أمير طعيمة ولحنها عمرو مصطفى ووزعها نادر حمدي، يعود أحمد سعد إلى مساحة أكثر بساطة. يروي سعد مشاعره وهو في انتظار محبوبته في أغنية خفيفة ولطيفة تصلح لأجواء الصيف، سواء في رحلة بالسيارة أو أثناء قضاء الوقت على البحر. وربما لا تحاول الأغنية تقديم فكرة موسيقية ثورية، لكنها تؤدي وظيفتها بذكاء باعتبارها واحدة من الأغنيات السهلة والمباشرة في الألبوم.
واحدة من أجمل أغنيات المشروع هي "وصل وصل" من كلمات تامر حسين ولحن مدين وتوزيع توما. هنا تظهر الهوية المصرية بوضوح أكبر من خلال كلمات مصرية خالصة، بينما يدمج التوزيع بين الإيقاعات الخليجية والتكنو في صياغة عصرية.
أداء أحمد سعد في "وصل وصل" متوازن بشكل لافت، فهو يستفيد من قدراته الصوتية ويستخدم بعض العُرب في مواقع محسوبة من دون أن تطغى على الأغنية أو تشتت هويتها. والنتيجة أغنية غزلية خفيفة، صيفية في روحها لكنها تحمل قدرًا واضحًا من التجديد وهو بالضبط النوع من التجريب الذي يناسب شخصية أحمد سعد من دون أن يبدو مفروضًا عليها.
أما "يا ولا يا ولا" فجاءت بتوقيع تامر حسين في الكلمات وعمرو مصطفى في اللحن ونادر حمدي في التوزيع. وهنا تبرز ملاحظة تستحق التوقف عندها: عودة تعبير "يا ولا" إلى الأغنية المصرية خلال هذا العام.
استخدام الكلمة في أكثر من أغنية خلال الفترة الأخيرة يطرح سؤالًا حول عودة بعض المفردات المصرية القديمة إلى قاموس الأغنية المعاصرة. "يا ولا" تعبير مصري دارج كان أكثر شيوعًا في الأربعينيات والخمسينيات ومن أشهر استخداماته أغنية "ولا يا ولا" للراحل عبد الغني السيد حيث تُستخدم الكلمة في سياق الدلال والغزل.
أحمد سعد يعيد تقديم التعبير نفسه لكن بروح أكثر عصرية وهو ما يتناسب مع مشروعه في إعادة تدوير بعض العناصر القديمة داخل قوالب موسيقية حديثة. وعلى الرغم من خفة الأغنية ولطافتها فإنها من حيث الكلمات واللحن لا تترك الأثر نفسه الذي تتركه بعض أغنيات الألبوم الأخرى ولا تبدو من النوع الذي يدفع المستمع بالضرورة إلى العودة إليها بعد عدة استماعات، لكن بالتأكيد يبقى التوزيع هو أقوى عناصرها والذي قادر على جذب جمهور الموسيقى الإلكترونية.
أما "طايرين" التي افتتح بها الألبوم فهي من كلمات تامر حسين ولحن وتوزيع أحمد إبراهيم. الأغنية تبدو مصممة خصيصًا لأجواء حفلات الشواطئ، فهي تجمع بين الاعتزاز بالذات والطاقة الاحتفالية بينما يأتي توزيعها عصريًا ومميزًا.
في بعض تفاصيلها تذكرنا الأغنية بتوجهات إلكترونية سبق أن قدمها عدد من الفنانين العالميين مثل كالفين هاريس ومارتن غاريكس وغيرهما لكن الأهم أن أحمد سعد لا يبدو هنا وكأنه يكتفي بتقليد هذا القالب بل يحاول هو وصناع العمل وضع شخصيته عليه.
وهذا تحديدًا ما يجعل "طايرين" من الإصدارات المميزة في الألبوم لأنها تضع أحمد سعد أمام تحد جديد، وتدخله منطقة موسيقية مختلفة نسبيًا عن الصورة التي ترسخت عنه خلال السنوات الأخيرة. التحدي الحقيقي في مشروعه الإلكتروني ليس أن يغني فوق إيقاعات إلكترونية فحسب، وإنما أن يترك بصمته داخلها وهو ما ينجح فيه بدرجات متفاوتة عبر الأغنيات الـ 6.
في النهاية ربما لا يكون الألبوم الإلكتروني هو التجربة الأكثر تماسكًا لأحمد سعد، لكنه بالتأكيد واحدة من تجاربه المختلفة والجريئة. والأهم أنه يكشف عن فنان لا يريد أن يكرر نفسه بل يحاول تفكيك شخصيته الموسيقية وإعادة تقديمها من زوايا مختلفة.
ومع بقاء ألبومي الموسيقى العربية والأوركسترا ستكتمل الصورة، وعندها فقط يمكن الحكم على ما إذا كان مشروع الألبومات الخمسة قد نجح فعلًا في تقديم أحمد سعد بأكثر من وجه أم أنه كان مجرد مغامرة موسيقية ممتدة على مدار عام.






