عندما وصفها الشاعر والكاتب الكبير كامل الشناوي بـ"صوت الضوء"، لم يكن الوصف مبالغة نقدية، بل وصفًا دقيقًا لصوت نجاة الصغيرة؛ تلك العبارة التي أضاءت شيئًا في مخيلة الموسيقار هاني شنودة عن صوتها، فسافر به إلى عالم مختلف من الغناء، بعيدًا عن الطرب الشرقي الكلاسيكي.
نجاة الصغيرة، التي نحتفل بعيد ميلادها الثامن والثمانين اليوم، صاحبة مشوار فني ضخم يصعب اختزال مراحله المختلفة في عدة أسطر، إلا أن تلك المسيرة، التي شهدت أكثر من 200 أغنية تتصدرها تجربتان قد تكونان نقطة التحول الأبرز في مسيرتها.
غنت نجاة من ألحان وكلمات أساطير الأغنية العربية، إلا أن ثمة شيئًا مختلفًا أعاد إلى نجاة شبابها في كلمات عبد الرحيم منصور وموسيقى هاني شنودة. هل هو الحُلم المتدفق في الكلمات والألحان؟ أم الإحساس الأكثر صدقًا في نبرتها عندما قالت: "أنا بعشق البحر.. وبعشق الطريق.. وبعشق السما.. لأنهم حياة.. وإنت يا حبيبي.. إنت كل الحياة".
"أنا بعشق البحر" و"بحلم معاك"، كانتا بداية تعاونها مع الموسيقار الراحل هاني شنودة، تبرز قيمتهما الفنية في عنصر التمرد وتكسير القوالب المعتادة التي صنعت شهرة نجاة، خلعت معهما عباءة القصيدة وجلباب الطرب الكلاسيكي، وحلت نحو بساطة الإحساس، خاطبت أجيالًا أصغر سنًا، وقالت مفردات جديدة خارج القاموس المعتاد للأغاني العاطفية .
"أنا بعشق البحر" كسر نمطية الصوت
حكى لي الموسيقار الراحل هاني شنودة عن هذا التعاون في مذكراته التي نشرتها في كتاب "عراب الموسيقى": "طلبت نجاة من الشاعر عبد الرحيم منصور أن نتعاون سويًا في أغنيات جديدة. لم أكن متحمسًا، والسبب خوفي من أن تصر نجاة على تغيير مساري الفني وفرض وجهة نظرها على فلسفتي الموسيقية. أنا رجل أسعى لإحداث ثورة في شكل الموسيقى، وهي مطربة عظيمة، ولكنها تغني القصائد والقوالب الكلاسيكية الشرقية. ولكن نجاة كان لديها رغبة صادقة في التجديد والتغيير، ولهذا اتفقنا".
بدأ التعاون تحديدًا خلال تحضيرات شنودة لألبوم محمد منير الأول "علموني عنيكي". ورغم ذلك، التقى بنجاة هو وعبد الرحيم منصور، وعرضا عليها أغنية "أنا بعشق البحر"، ولم يُكتب منها سوى ثلاثة مقاطع فقط، فطلبت نجاة خاتمة للأغنية، فكتبها عبد الرحيم خلال الجلسة، وأكمل هاني تلحينها في نفس اللحظة.
يبدو اختلاف "أنا بعشق البحر" في صبغ الكلمات الرومانسية برؤية فلسفية؛ جاءت مفردات الطبيعة كبطل للقصة، حين تُشبه الحبيب بالبحر والسماء والطريق في صفاته؛ فهو حنون، مجنون، قريب وبعيد، أو يشبه الطريق بكل منعطفاته، في تشريح رقيق ودقيق لحالة عشق متقلبة المشاعر.
قدم هاني شنودة لحنًا أقرب إلى روح الـ"سوفت روك"، مطعمًا بالآلات الغربية مثل الدرامز والباس جيتار وأصوات الأورج، بدلًا من الوتريات التقليدية، مع لمسة من إيقاعات الطبلة الشرقية، بينما تصدر صوت نجاة الأغنية ليصبح إحساسها هو البطل الأول والأخير للحكاية.
"بحلم معاك" الغناء فوق السحاب
غنت نجاة وكأنها تؤكد مقولة محمد عبد الوهاب حين وصفها في بداية مشوارها بـ"صاحبة السكون الصاخب"، ذلك السكون الكامن في حنجرتها هو في الحقيقة عُمق الإحساس الذي دفع نزار قباني ليقول في مقابلة تليفزيونية قديمة إن نجاة هي أصدق من غنى قصائده، وإنها عندما تغنيها تجذب إليها ملايين المستمعين.
لم تكتفِ نجاة بـ"أنا بعشق البحر"، بل امتدت التجربة إلى أغنية ثانية هي "بحلم معاك"، من كلمات عبد الرحيم منصور أيضًا.
جاءت الأغنية وكأنها حلم يُحكى بصوت نجاة، وهو ما فسره هاني شنودة لي حين قال: "طلبت من الشاعر عبد الرحيم منصور كلمات تحكي للناس الحلم الذي تعيشه نجاة. صوتها تعبيريًا يُشبه الأحلام، فكتب أنها تحلم بسفينة سترسو على شاطئ يدي وعيني حبيبها. كانت الكلمات بالفعل صورة تجعل المستمع يتخيل مشهدًا رومانسيًا أشبه بالأحلام، وأنا لحنت الحلم".
حلق صوت نجاة مع لحن من مقام "العجم" بتفعيلاته الغربية، فبدت وكأنها تُقدم نسخة عصرية من أغاني فرانك سيناترا وآندي ويليامز، ولأول مرة سجلت صوتها على "تراكين"، في مواكبة للتقنيات الجديدة وقتها، لتمنح صوتها إحساسًا مختلفًا عن تجاربها السابقة.
شهادة كمال الطويل "تأشيرة العبور
المفاجأة أن نجاة، بعد تسجيل الأغنيتين، عرضتهما على شاعر كبير تثق في رأيه، فقال لها مستنكرًا: "إنتِ اتجننتي؟! بعد ما كنتِ بتغني قصائد هتروحي تغني دانص؟"، في إشارة إلى أنها أغنيات غربية راقصة خالية من الطرب، فخافت وأجلت طرح الأغنيتين.
بعد ستة أشهر من التأجيل، استشارت الموسيقار كمال الطويل، الذي قال لها بعد سماعه للأغنيتين: "هاني شنودة رجعلك شبابك تاني، إنتِ لازم تنزلي الغنوتين دول بسرعة".
بالفعل، طرحت نجاة الأغنيتين على التوالي وحققتا نجاحًا كبيرًا، حتى إنها قالت لهاني شنودة بعدها: "الناس بتلحن على الأرض وإنت بتلحن في السما"، وكأنها تصف ما فعلته ألحانه في صوتها.
أغاني عابرة للأجيال
عاشت تجربتا "أنا بعشق البحر" و"بحلم معاك" عمرًا فوق عمرهما، مرة عندما أعاد محمد منير تقديم الأولى عام 2000 في ألبوم "عشق البنات".
أما أغنية "بحلم معاك"، فكانت سببًا في إعادة اكتشاف مساحة جديدة في صوت مي فاروق، بعيدًا عن الطرب الكلثومي، وذلك حين غنتها في حفل تكريم هاني شنودة الذي أقامته الهيئة العامة للترفيه بالمملكة العربية السعودية منذ ثلاث سنوات.
حينها شعرت أن التاريخ يعيد كتابة نفسه؛ وكما كانت الأغنية سببًا في إعادة اكتشاف نجاة لصوتها من جديد، جاءت الأغنية نفسها بعد أكثر من أربعين عامًا لتعيد اكتشاف مي فاروق.






