في تاريخ الغناء العربي، تنقسم الأصوات بين ما يعبر سريعًا، وما يرسخ طويلًا، وكان هاني شاكر من هؤلاء الذين لا يهتموا بمبيعات أو جوائز، بقدر ما كان الفنان الذي حافظ على وقاره في كل ما قدمه، ليبقى دومًا الفنان نفسه الذي لم يخذل جمهوره يومًا.
ما قبل الاحتراف
لم تبدأ حكاية هاني شاكر في السبعينيات كما يظن البعض، بل بدأت بملامح طفل موهوب في برامج الأطفال بالإذاعة والتلفزيون، حيث لفت الأنظار بنقاء صوته وحضوره الهادئ. لكن المحطة الأبرز في طفولته كانت عام 1966، عندما اختاره المخرج أحمد بدرخان لتجسيد شخصية الفنان الراحل سيد درويش في مرحلة الصبا في فيلم شهير يحمل الاسم نفسه. كانت هذه التجربة بمثابة التعميد الفني لهاني شاكر. هذه البداية المبكرة جداً هي التي صقلت موهبته وجعلته ابنًا شرعيًا للمدرسة الكلاسيكية منذ طفولته، وهو ما يفسر سر امتلاكه لوقار الكبار طوال تاريخه.
وسط العمالقة
بينما كان ليل القاهرة يضج بأصوات العمالقة، خرج الشاب الذي صقلته دراسته في كلية التربية الموسيقية، ليتم اعتماده في الإذاعة المصرية ويعلن عن نفسه رسميًا في ديسمبر 1972 بأغنية "حلوة يا دنيا" من كلمات فتحي الغندور، وألحان محمد الموجي، والتي تدرب عليها لمدة عامين كاملين قبل غنائها في حفل.
لم تكن البداية سهلة، فالمقارنة مع العندليب عبد الحليم حافظ كانت فخًا نصبه له البعض، لكنه نجا منه بذكاء حين قدم في عام1975 رائعتيه "كده برضه يا قمر"، كلمات صلاح فايز، وألحان خالد الأمير، و"سيبوني أحب" من كلمات مجدي نجيب وألحان محمد سلطان، وكانت كلمات الأخيرة تقول: "سيبوني أحب/ سيبوني يا ناس أعيش في الحب/ حرام أحبكم تجرحوني"، لتكون أول جرح عاطفي يرسخ قناعة لدى المستمع العربي أن هذا الصوت لا يقلد أحدًا، لكنه يصنع مملكته الخاصة من الحزن.
الفتى الرومانسي
انتقلت نجومية هاني شاكر سريعًا إلى شاشة السينما لتصنع منه "دون جوان" السبعينيات الهادئ، فبعد فيلمه الأول "سيد درويش" عام 1966، شارك في بعض الأفلام بأدوار صغيرة مثل فيلم "من أجل حفنة أولاد"، 1969، لكن الانطلاقة الحقيقية كانت في عام1973 من خلال فيلم "عندما يغني الحب" مع عادل إمام، وصفاء أبوالسعود، وعمر خورشيد، ثم في عام 1974 بفيلم "عايشين للحب" أمام الفنانة نجلاء فتحي.
في عام 1975، قدم أنجح تجاربه السينمائية بفيلم "هذا أحبه وهذا أريده" مع نورا وسمير غانم، وهو الفيلم الذي خلد أغنيته الشهيرة "كده برضه يا قمر"، كما شارك أيضًا في بطولة بعض المسلسلات، مثل "دنيا بنت دنيا"، وشارك في مسرحية غنائية بعنوان "سندريلا والمداح"، ورغم أنه لم يكمل مسيرته في التمثيل طويلًا مفضلًا التركيز على الغناء، فإن هذه الأعمال رسم صورته الذهنية لدى الجمهور كفنان شامل.
زمن "علي الضحكاية"
في الوقت الذي بدأت فيه الموسيقى تأخذ طابعًا أسرع، استطاع هاني شاكر أن يطور من أدواته دون أن يفقد هويته، وفي عام 1987، أطلق واحدة من أهم أيقونات مشواره، أغنية "علي الضحكاية"، التي أثبتت أنه قادر على غناء الإيقاع المبهج بنفس براعته في غناء الجرح، ليصبح بعدها الرقم الصعب في حفلات "أضواء المدينة" ثم "ليالي التليفزيون".
تحدي "موجة الشباب"
مع مطلع التسعينيات، تغير شكل الصناعة كليًا، ظهرت الأغنية الشبابية والفرق الموسيقية، لكن هاني شاكر ظل النقطة الثابتة وسط التغيير، وفي عام 1991 طرح هاني شاكر ألبوم "شاور"، الذي ضم مجموعة من الأغنيات التي لاقت نجاحًا كبيرًا مثل "نسيانك صعب أكيد"، و"قالي مع السلامة".
وفي عام 1993 أصدر هاني شاكر ألبوم "كله يهون"، ودغدغ مشاعر المحبين بأغنية "متهدديش بالانسحاب".
وفي عام 1995، رسخ مكانته في منطقة الجراح وهز القلوب بألبوم "ليه منحلمش" الذي ضم أغنية "غلطة" التي أصبحت نشيداً للمجروحين، وأغنية "إنت السبب".
ثم أتبعها في1997 بأغنية "تخسري"، الذي قدمها بشكل سينمائي حافظ على برستيج المطرب العربي.
وفي عام 1998، أصدر أغنية "الحلم الجميل"، التي أثرت في كل شخص فقد عزيز يسكن منزله، إذ كانت تقول كلماتها: "الحلم الجميل/والبيت الصغير/ كله راح/ كله ضاع/ كله اتكسر/ كله اتغير/ وفضيت علينا الدار/ والوحدة زي النار".
وفي عام 1999 طرح أغنية "يا ريتني"، التي برهن بها أن الرومانسية الكلاسيكية لا يمكن أن تموت طالما هناك صوت يدرك أبعاد الكلمة واللحن.
وبدأ الألفية الجديد بأغنية "جرحي أنا"، في عودة صريحة لاستخدام مفرد الجرح والجراح.
انكسار القلب والصوت
لم يكن الحزن في حياة هاني شاكر مجرد أغنيات يغنيها، لكنه أصبح واقعًا مرًا اختبره في يوليو 2011 برحيل ابنته "دينا" بعد صراع مع المرض.
هذا التاريخ كان فاصلًا في مشواره، فصوته بعده لم يعد كما قبله، وسكن الوجع في نبرة صوته، وتجلى ذلك في أغنيات لاحقة مثل "حبيبة قلبي وحشاني" التي أهداها لروحها بعد وفاتها بفترة.
وفي الذكرى الرابعة لوفاة ابنته أهداها أغنية أخرى بعنوان "بروزا صورتك" وهنا، تحول هاني شاكر من مطرب يغني للأحزان إلى إنسان يسكن الحزن صوته، مما زاد من صدق اتصاله بوجدان الناس.
"أمير الحزن" في بيت الموسيقيين
في مرحلة متأخرة من مشواره الممتد لأكثر من 50 عامًا، قرر هاني شاكر ألا يكتفي بالغناء، بل أن يحمي المهنة من وصفهم بـ"الدخلاء"، وخاض انتخابات نقابة المهن الموسيقية في مصر وانتخب نقيبًا للموسيقيين في عام 2015، وظل في منصبه حتى استقالته في 2022.
كانت سنوات مليئة بالمعارك ضد ما وصفه "تلوثًا سمعيًا"، ودافع بضراوة عن "هيبة المسرح الغنائي"، وحتى وإن اختلف معه البعض في قراراته، إلا أن أحدًا لم يختلف على أن دافعه كان دائماً الغيرة على الفن الجميل الذي أفنى عمره في محرابه.
إرث النبل
بأكثر من 600 أغنية ضمن 29 ألبومًا، ومسيرة تخلو من أي سقطات فنية، يبقى هاني شاكر هو الفنان الذي لم يشيخ صوته ولم تتجعد مبادئه طوال مشواره، ويظل "أمير الغناء" هو ذلك الصديق الوفي الذي نستدعي صوته كلما احتجنا أن نشعر بأن الدنيا لا تزال حلوة رغم الأوجاع والأحزان.





