لم يكن ظهور هيفاء وهبي أمام جهات التحقيق في مصر، ولا انتشار فيديو صادم منسوب إلى شيرين عبد الوهاب، حدثين منفصلين في سياق أخبار الفن، بقدر ما بديا علامتين على أزمة أعمق تعيشها الفنانات في زمن لم تعد فيه الصورة دليلا، ولا الفيديو شهادة، بعدما أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على صناعة وقائع من العدم، واختلاق قصص ليس لها أي أساس.
في الحالتين، جاءت شرارة البداية رقمية، لكن النهاية دائما ما تكون إنسانية مأساوية، وفيما بينهما خيط رفيع من القلق، والتشهير، وسوء الاستخدام، الذي لا يفرق بين نجمة في أوج حضورها، أو فنانة تحاول استعادة توازنها بعيدا عن الأضواء.
معركة هيفاء ضد المحتوى
خلال الأيام الماضية، استمعت جهات التحقيق المختصة بمصر، ممثلة في نيابة الشؤون الاقتصادية وغسل الأموال، إلى أقوال الفنانة هيفاء وهبي ومحاميها المستشار شريف حافظ، في البلاغ الذي قدمته ضد حسابات ومجموعات إلكترونية، على مواقع التواصل الاجتماعي، تتهمها فيه بنشر وتداول صور ومقاطع فيديو مفبركة، جرى تصنيعها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ونسبت إليها على غير الحقيقة.
دفاع هيفاء، أكد في تصريحات صحفية، أنه قدم تقريرا فنيا صادرا عن خبير تقني مختص، أثبت من خلاله في أوراق التحقيق، أن جميع المواد المتداولة مصطنعة رقميا بالكامل، وتم إنتاجها باستخدام أدوات التزييف العميق ونماذج التوليد الاصطناعي، دون أن يكون لها أي أصل واقعي أو صلة بالفنانة.
البلاغ، المقيد برقم 8 جنح اقتصادية لسنة 2026، شمل تتبع مئات الروابط الإلكترونية، وصفحات على منصات مثل فيسبوك وتيك توك وتيليغرام، مع اتهامات مباشرة بالتشهير، ونشر محتوى خادش للحياء، والإساءة المتعمدة، وهي أفعال أكد محامي هيفاء أنها تشكل جرائم مكتملة الأركان يعاقب عليها القانون المصري.
معاناة شيرين وقود للشائعات
في التوقيت ذاته، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو نسب إلى الفنانة شيرين عبدالوهاب، ظهرت خلاله بملابس المرضى، مستلقية على سرير طبي، وهي تبكي، في مشهد بدا للوهلة الأولى وكأنه تسريب من داخل أحد المستشفيات.
الفيديو أثار موجة واسعة من القلق والجدل، خاصة في ظل أزمات شيرين الأخيرة مع الأزمات الصحية، وزاد من حدته غياب أي بيان رسمي خلال ساعات انتشاره الأولى، ما فتح الباب أمام التأويلات.
بعيدا عن النظرة الأولى للفيديو، سيكتشف المشاهد مع قليل من التدقيق أن المقطع مفبرك، وخضع لمعالجة رقمية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، لصناعة مشهد يبدو واقعيا، لكنه في الحقيقة لم يحدث أصلا، ويتضح ذلك من خلال تغير ملامح وجه شيرين في الفيديو أكثر من مرة.
الفيديو بما يحمله من مؤشرات واضحة على التلاعب البصري، يشير إلى أن هدفه إعادة تدوير الشائعات وتضليل الرأي العام، واستغلال هشاشة اللحظة الإنسانية لفنانة اختارت الصمت والعزلة، وسط حالة ضبابية حول حياتها مؤخرا.
وكان نقيب الممثلين بمصر، أشرف زكي، أكد في تصريحات صحفية سابقة، أن شيرين بخير، لكنها تمر بحالة من الانسحاب المؤقت، رافضا ما يجري تداوله، ومشددا على ضرورة التفريق بين الدعم الحقيقي، والفضول المؤذي.
أداة إبداع وسلاح تشهير
ربما يكون بلاغ هيفاء وهبي، وكشف زيف فيديو شيرين، مجرد محطتين في مسار طويل من المواجهة مع الواقع المصنع، حيث يصبح الدفاع عن الحقيقة جزءا من المعركة اليومية، لا رفاهية.
لكن القاسم المشترك بين الواقعتين هو تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية واعدة، إلى سلاح سهل الاستخدام لصناعة الأكاذيب.
كما أن الواقعتان تؤكدان أن الأمر لم يعد مقتصرا على فبركة صورة أو تعديل فيديو، بل على بناء مشهد كامل، بتفاصيله العاطفية والبصرية، قادر على خداع الجمهور، وإرباك الإعلام، وفرض رواية زائفة، قبل أن تتاح فرصة التحقق.






