في مشهد الهيب هوب التونسي، اشتهر عدد من الرابرز لأسباب مختلفة، منها الدخول في دسّات طويلة، أو القدرة على تقديم أغاني جماهيرية صنعت انتشارهم سريعًا. لكن كازو اختار منذ البداية أن يبني عالمه الفني بهدوء وتأني. لم يتعامل مع الراب كمساحة للاستعراض لكنه اعتمد على أسلوب كتابي صادق، حول من خلاله تفاصيل حياته إلى سرد متكامل: من العائلة والحي، إلى الخسارة والوحدة، لهذا بدا ظهوره مختلفًا عن كثير من أبناء جيله.
البدايات: انطلاقة تحت اسم "كازويام"
وُلد كازو واسمه الحقيقي عبد الكريم بوزيان، في حي التضامن بتونس، وهي منطقة ارتبطت تاريخيًا بصورة الضواحي المهمشة، والتي خرج منها عدد كبير من الرابرز.
بدأت علاقته المبكرة بالموسيقى والكتابة، قبل أن يدخل عالم الراب مع بداية العقد الثاني من الألفية، وهي فترة كان فيها الراب التونسي يعيش تحوّلًا كبيرًا بالتزامن مع التغيرات السياسية والاجتماعية التي سبقت الثورة التونسية وتلتها.
قبل أن يبدأ بطرح إصداراته الخاصة، كان كازو يراب على بيتات جاهزة، حتى قرر أن يخوض مرحلة قصيرة تحت اسم "كازويام"، متكئًا فيها على أسلوب الأولدسكول. وقد لفت انتباه أسماء مؤثرة في المشهد وقتها، من بينهم بلطي الذي دعمه عبر تراك "SOS".
لكن مسيرة كازو لم تكن مستقيمة. بعد بداياته الأولى، اختفى تقريبًا من المشهد بين 2013 و2019، وهي مرحلة ارتبطت بظروف شخصية قاسية، أبرزها وفاة والده، وهو الحدث الذي ترك أثرًا واضحًا على كتاباته لاحقًا.
العودة بهوية جديدة مع "كازو"
بدون مقدمات، عاد كازو عام 2019 بتراك "يزي"، والتي شكلت لحظة مهمة بمسيرته، حيث أعلن عن عودته بتجربة أعمق وكتابة أكثر نضجًا. حمل التراك أسلوب سيرة ذاتية، إذ وضع كازو المستمعين أمام تفاصيل حياته من مرحلة الدراسة والحي وضغط الاختيارات المبكرة، بين طموح فردي ورغبة عائلية في الاستقرار. لكن ما فعله كازو ليس أنه عبر عن نفسه فقط، لكنه وثق التحولات الاجتماعية التي شكلت ذاكرة المراهقة لأبناء جيله.
قلما نشهد تخلي الرابرز في شمال إفريقيا عن نبرة التبجح، لكن كازو كان جاهز للتخلص من هذه الحمولة وهذا ما ظهر بوضوح في تراك "بوزيان" المشتق من اسم عائلته. اشتبك في الكلمات مع سيرة عائلته منذ وفاة والده إلى حالة النفور والغياب داخل محيطه العائلي. بأسلوب مزج بين الغضب والتوتر العاطفي.
وقد حقق الفيديو نسب مشاهدة مرتفعة مقارنة بإصداراته السابقة، ما عزز حضوره كواحد من الأصوات التي تعتمد السرد الذاتي والكتابة الاعترافية داخل الراب التونسي، بدل الاعتماد على الخطابات التقليدية السائدة في المشهد.
كيف بنى كازو هويته الفنية عبر الألبومات
بعد أن ثبت كازو حضوره، بدأ تدريجيًا بالانتقال من فكرة التراك المنفرد إلى بناء مشروع فني متكامل، يقوم على هوية بصرية ومزاج محدد والاشتغال على الألبوم كوحدة سردية كاملة.
ظهر هذا التحول بوضوح مع ألبوم "Grow Up" عام 2021، واتجه أكثر نحو الميلوديك راب والإصدارات المشبعة بالأجواء العاطفية، مع حفاظه على الكتابة الشخصية التي ميزت بداياته.
شكل الألبوم نقطة مفصلية في مسيرته، من ناحية الجماهيرية حصد نسبة استماعات عالية، وانتشر صوت كازو. أما على مستوى رؤيته الفنية، بدأ بتوسيع عالمه ليصبح أقرب إلى يوميات شخصية كاملة، تتقاطع فيها العلاقات والخسارة والضغط النفسي مع تفاصيل الحياة اليومية.
أما في ألبوم "Feelings"، اتجه كازو إلى مساحة أكثر هدوءًا وتأملًا، حيث بدت الأغاني وكأنها امتداد لحالة شعورية واحدة. حضرت الإنتاجات الحالمة و الميلوديات الحزينة بصورة أوضح، بالتزامن مع اهتمام أكبر ببناء صورة فنية متماسكة، سواء عبر الكليبات أو طريقة تقديم المشروع بصريًا.
واصل كازو بناء كتالوغ فني مترابط، ليصبح واحد من أكثر المشاريع تماسكًا داخل المشهد التونسي. لم يبنى ألبوماته فقط على فكرة الأغنية الضاربة، لكنه خلق عوالم كاملة بهوية بصرية وصوتية واضحة، حيث ترتبط الموسيقى بالكليبات، والأزياء، وطريقة الأداء الحي، وحتى بأسلوب التواصل مع الجمهور، كما في "Mode Avio".
الحضور الحي وتوسع التعاونات
إلى جانب مساره الفردي، شكلت تعاونات كازو جزءًا مهمًا من مسيرته، حيث اشتغل مع الكاسترو في أكثر من عمل رسخ حضوره داخل دائرة الراب المحلي، كما جمعه تعاون مع شادي في تراك “والله”. وخلال السنوات الماضية تعاون مع المزيد من الأسماء منها سي لمهاف في تراك “كي نراك” بسياق أكثر تجريبية، قبل أن يعود في تعاون مع إمباير في "كيف كيف" ضمن موجة أكثر جماهيرية. رغم اختلاف مراحل هذه الأعمال، حافظ كازو على هويته مع قدرته على التكيف داخل أنماط إنتاج متعددة دون فقدان بصمته الأساسية.
منذ 2021، أصبح كازو حاضرًا بشكل متكرر في أكبر المهرجانات التونسية، قبل أن يصل إلى مرحلة جديدة مع جولة "Mode Avion Désactivé" عام 2025، التي شملت 24 عرضًا في مختلف المدن التونسية.
كشفت الجولة عن تحوله من رابر يمتلك قاعدة جماهيرية رقمية إلى فنان قادر على تحويل عالمه الموسيقي إلى تجربة حية متكاملة، خصوصًا مع اعتماده على الصورة والإضاءة والأداء المسرحي كجزء أساسي من المشروع.
ويبدو أن 2026 سيكون عامًا مفصليًا جديدًا في مسيرة كازو. فبعد إطلاق ألبومه القصير "ZERO UN"، عاد أيضًا بإصدار "أسفي"، الذي حقق أرقام استماع مرتفعة وواصل من خلاله توسيع حضوره الجماهيري داخل تونس وخارجها.
ما يلفت في هذه المرحلة ليس فقط كثافة الإصدارات، لكن أيضًا الطريقة التي يحافظ فيها كازو على ترابط مشروعه الفني، حيث تبدو كل خطوة امتدادًا لمسار بدأه منذ عودته عام 2019: تحويل التجارب الشخصية والضغط النفسي والذاكرة اليومية إلى عوالم موسيقية متكاملة.
وبينما تغير جزء كبير من مشهد الهيب هوب التونسي سريعًا خلال السنوات الأخيرة، نجح كازو في الحفاظ على هويته الخاصة، ليصبح واحدًا من أبرز الفنانين الذين نقلوا الراب إلى مساحة أوسع.






