مع انقضاء الأيام الأخيرة من صيف 2026، وبداية الخريف في جدة، اكتست الشوارع والساحات باللون الأخضر احتفالًا باليوم الوطني السعودي، فيما قادتنا المناسبة لنلقي فنانًا عاصر زمنًا ذهبيًا للأغنية السعودية، بل وكان واحدًا ممن صنعوه، ثم واصل السير معه حتى لحظته الراهنة، شاهدًا على تحوّلاته وشريكًا فيها.
هكذا وجدنا أنفسنا داخل مجلس الفنان الدكتور عبادي الجوهر، الذي استقبل فريق بيلبورد عربية استعدادًا لمقابلة غلاف شهر سبتمبر. لكن قبل أن يبدأ حديثه، كان المكان قد شرع في رواية الحكاية نيابةً عنه. بدا المجلس كنافذة مفتوحة على حقب متعاقبة، أو كثقب زمني يعيد زائره إلى مشاهد لم يعد ممكنًا الوصول إليها إلا عبر الصور والذكريات والنغمات.
هنا صورة تجمع عبادي بالراحل طلال مداح والفنان محمد عبده. وهناك درع يوثّق مشاركةً في مهرجان أُقيم في مصر قبل عقود. وفي زاوية أخرى، رسم أنجزه أحد المعجبين في الستينيات؛ بسيط في أدواته، لكنه مشبع بتلك العاطفة الخالصة والحماسة التي تسبق المسافات والحواجز بين الفنان وجمهوره. أما في الردهة، فتقف أكثر من أربعين آلة عود، لكل واحدة منها قصة، وكأنها شواهد صامتة على أكثر من خمسة عقود أمضاها صاحب المكان سفيرًا لفن شديد الخصوصية.
في معظم لقاءاتنا مع الموسيقيين، يحدث أمر لافت من دون تخطيط. لا نبدأ عادةً من الطفولة ولا نتتبّع السيرة وفق تسلسل زمني، ومع ذلك نجد أنفسنا أمام محاولات استعادة مشهد بعيد غيّر كل شيء. لعل مرور العقود يدفع الفنانين الكبار إلى استعادة الزمن الذي سبق شهرتهم؛ يعيدون ترتيب الصور في أذهانهم، ثم يروون بهدوء اللحظة التي أخذت حياتهم إلى مصير آخر.
في حكاية عبادي الجوهر، تعود اللحظة إلى جدة في الستينيات. كان طفلًا يتيمًا يمضي ساعات طويلة وحيدًا في غرفته، يتدرّب على العود رغبةً في التفوق على شقيقه الأكبر الذي سبقه إلى الآلة. لكن الصدفة والقدر اجتمعا في حي واحد؛ ففيه كان يعيش لطفي زيني، الشاعر والمغني والممثل الذي أسهم في إثراء المشهد الفني السعودي. سمع عزف الفتى وأدرك أن خلف إصراره موهبة تستحق أن تُرى، فأخذه إلى أعظم فنان يعرفه.
دخل عبادي، ولم يتجاوز الرابعة عشرة بعد، منزل طلال مداح، وجلس يعزف أمام الفنان الذي كان يتصدر المشهد السعودي صوتًا ولحنًا وأداءً. أنصت طلال إليه، ورأى الإمكانات خلف طريقته في العزف. وفي ذلك اللقاء فتح له بابًا انتقل منه إلى عالم سيصبح فيه عازفًا وملحنًا ومغنيًا وسفيرًا للأغنية السعودية.
"من أول لقاء حصل، ما أعرف إيش أسميه" يقول عبادي "يعني حصل فيه كيميا، حصل فيه محبة. حتى أنا أذكر في أول اللقاء، من كثر ما هو كان معجب فيا، وفي هذاك السن أنا كنت يعني أعزف وأغني، 14 سنة يمكن، فعلى طول قال: يا لطفي، خلينا نعمل له عقد وأنا أعمل له لحنين. من أول مرة."
لم يبقَ طلال مكتشفًا لعبادي طويلًا. على الرغم من فارق العمر بينهما، تعمّقت العلاقة سريعًا. الطفل الذي عزف بارتباك في منزله.. غنّى بعد وقت قصير من ألحانه، ثم وقف بعد سنوات في الجهة الأخرى من المعادلة: ملحنًا يقدّم له "طويلة يا دروب العاشقين".
وبعاطفة غامرة.. يروي لنا عبادي كيف صنع لحنه الأول لطلال: "يعني هو أعطاني مساحة كبيرة جدًا، الحقيقة، إني أقرب منه أكثر. يعني في الست سنين دي (التي تبعت تعارفهما) كنت قريب كثير منه. كنت ألتقي فيه يوميًا، حقيقةً يوميًا. بعد العشاء كنت أطلع أنا والأستاذ لطفي زيني، رحمة الله عليه، بيت طلال، يوميًا. فهو أعطاني هذي المساحة القريبة جدًا. كنت أنا من المقربين، كل يوم أنا عنده في البيت." ويشرح أن هذا القرب أكسبه شيئًا من الجرأة ليطالب طلال أخيرًا: "قلت له: يعني ما دام أنا قد كذا عاجبك، غني لي طيب. قال لي: أغني لك. وأعطاني نص أغنية 'طويلة يا دروب العاشقين'. هذا الكلام كان عام 1976".
امتدت الصحبة بعد ذلك لأكثر من ثلاثة عقود، حتى كان عبادي حاضرًا إلى جانب طلال في حفله في مدينة أبها عام 2000 ليكون آخر من تحدّث إلى طلال قبل أن يصعد إلى المسرح ويتوفى فوقه إثر ذبحة قلبية مفاجئة، في مشهد لا تنساه ذاكرة الجمهور السعودي. وربما تفسّر قسوة ذلك الوداع ارتباط الاسمين في الذاكرة. لا يمانع عبادي العودة إلى معلّمه ومرشده وصديقه، وإلى الليلة التي لم تكتمل فيها هدية أخيرة.
في تلك الليلة، أُعجب طلال بعود عبادي الذي يحمل صورته، وطلب أن يُصنع له مثله. لكن رحيله المفاجئ ترك في نفس صديقه حسرة أنه لم يمنحه العود الذي أراده. بقيت الآلة محفوظةً من دون عزف لأكثر من ستة وعشرين عامًا، إلى أن أحضرها عبادي إلى استديو تصوير غلاف بيلبورد عربية ودندن لنا عليها بعض الأغنيات.
الحديث عن تلك الصداقة يتجاوز الحديث عن شخصين عاديين؛ إنه حديث عن اثنين من أعمدة الأغنية السعودية. رحل أحدهما، وقُدّر للآخر أن يواصل المسير حاملًا الالتزام نفسه تجاه هذا الفن. ولم يتوقف أثر عبادي عند المشهد المحلي أو الخليجي، بل عبرت ألحانه إلى أصوات عربية عدة، ومن أبرزها "قد الحروف" لأصالة، من بين ألحان أخرى لرابح صقر وسميرة سعيد وأحلام وغيرهم الكثير.
يصف عبادي هذه الأعمال بأنها "ألحان عربية": موسيقى شرقية يتلقاها المستمع من المحيط إلى الخليج، من دون أن تتخلى عن اللمحات السعودية المستمدة من التراث وأساليب التلحين في شبه الجزيرة العربية. هنا صنع لونه الخاص؛ فلا يذيب هويته المحلية في قالب واسع، ولا يغلقها على نفسها، بل يجعل من الخصوصية طريقًا إلى جمهور أكبر.
بين التلحين لأجيال متعاقبة والحفلات والألبومات، راكم عبادي خلال أكثر من خمسة عقود أرشيفًا يتجاوز خمسمائة أغنية ولحن. كثافة تشهد على ما يحدث حين تجتمع الموهبة بالانضباط والإبداع؛ فلا تصنع نجاحًا عابرًا، بل رحلة تتحول إلى إرث.
وحين ناقشناه في عبارة "الفن رسالة"، وفي المسافة بين الفن الذي يحمل مسؤولية والفن المصنوع للإمتاع، أعاد السؤال كل ما حولنا إلى معناه الأول: الصور، والأوسمة، والأعواد، ومئات الألحان، والعقود التي عبرت من دون أن تنقطع الصلة بين الفنان وما يؤمن بأن عليه تقديمه.
يخبرنا عبادي: "إحنا عندنا في المملكة العربية السعودية إرث عظيم من الموروث الشعبي، وتراث كبير جدًا. ويمكن أنا قلت قبل كذا: إحنا ما غنينا منه إلا القليل، يعني لسه في كثير للواحد يكتشفه ويبحث فيه" ويتابع: "كنا في كل محفل غنينا فيه، أنا وزملائي الفنانين اللي كانوا سبقوني واللي أيضًا جوا بعدي، في كل محفل نروح في أي بلد، كنا نصر على تقديم أغنيتنا السعودية بهويتها، بهويتها من ناحية الكلام، وهويتها من ناحية التفاعيل الموسيقية والإيقاعات، فكنا سفراء طبعًا. فلذلك انتشرت الأغنية السعودية قبل السوشال ميديا، وكان من خلال الحفلات، ومن خلال اللقاءات، ومن خلال الكاسيت وغيره".
بعد يومين من التحضيرات، ويوم أخير سُجلت فيه الحلقة، وساعات طويلة من الأحاديث التي لا تنتهي، غادرنا الاستوديو. شقت السيارة طريقها في شوارع جدة، فيما مرّت المدينة خلف النافذة بطبقاتها القديمة والجديدة.. كما مرت سيارتنا في طريقها أمام مسرح عبادي الجوهر في أرينا الذي شُيد قبل عامين ليحتضن الأحداث الفنية الضخمة في المدينة. قبل أكثر من خمسين عامًا، كان عبادي يطوف هذه الشوارع طفلًا يبحث عن نغمة وتقنية وكلمة ثناء من شقيقه ووالدته. وربما تخيّل نفسه ضابطًا، أو عاملًا في السلك العسكري.. دون أن يعرف ما كان القدر يدّخره له.
لم يكن ذلك الطفل يعلم أنه سيصبح واحدًا من أعمدة الأغنية السعودية، ثم ركنًا أساسيًا في ذاكرتها، وشاهدًا على زمن امتلأ بالصور والأصوات والنغمات والشخصيات التي صنعت تاريخ مدينته وبلاده. ولم يكن يعلم أن الساعات التي قضاها وحيدًا مع العود ستتحول يومًا إلى رحلة تتجاوز حياته الشخصية، وتترك أثرها في الأغنية العربية كلها. لكننا، ونحن نبتعد عن جدة التي تزيّنت بالأخضر، كنا قد رأينا كيف يمكن لسيرة فنان واحد أن تختصر سيرة فن بأكمله.

