في كل إصدار جديد، تعود الفنانة السعودية داليا مبارك إلى مساحة الأغنية العاطفية بوصفها ملعبها الأكثر أمانًا، حيث الصوت حاضر، والإحساس مضمون. وبعد عدة تجارب بلهجات مختلفة في الفترة الماضية، تتجه داليا للأغنية العراقية من جديد مع "ارجع لأن"، لتفتتح عامها الغنائي بمحاولة جديدة للقبض على وجع الفراق، مستعيدة تعاونًا مألوفًا، مع الملحن الأبرز على الساحة العراقية، علي صابر.
لكن بين من يرى في الأغنية امتدادًا لمسار داليا العاطفي، ومن يعتبرها خطوة مكررة تعيد تدوير أدوات مستهلكة، ينقسم الرأي داخل فريق بيلبورد عربية حول "ارجع لأن": هل هي أغنية متكاملة تعكس ثباتًا فنيًا، أم محاولة آمنة تفتقر إلى المخاطرة والتجديد؟ في هذه المساحة، نضع الأغنية تحت مجهر زاوية "مع أم ضد؟"، ونستعرض قراءتين مختلفتين للعمل نفسه، كلٌ من زاويته وذائقته.
نورهان أبو زيد / مع
اختارت داليا أن تفتتح العام الجديد مع "ارجع لأن" لتقدم من خلالها حالة وجدانية مشبعة بالحنين والاشتياق بعد فراق ترفض البطلة تقبله. تبدأ الأغنية بهدوء محسوب يهيئ الأجواء العاطفية قبل أن تدخل داليا بصوتها لتروي أثر الغياب عليها، كاشفة عن فراغ تركه الحبيب. وقد نجح الشاعر ليث الفتلاوي في صياغة ألم الفراق بمفردات بسيطة وغير متكلفة لكنها كافية لتعكس عمق الوجع الذي تعيشه الشخصية الغنائية.
أما اللحن الذي وضعه علي صابر فجاء معتمدًا على جُمل تصاعدية في بعض المواقع أظهرت جماليات صوت داليا ومساحاته مع توظيف ذكي للعُرب، خصوصًا في المقاطع التي تسرد فيها أسباب تمنيها عودة الحبيب. الأداء الصادق وقدرتها الواضحة على ترجمة الألم صوتيًا شكلا عنصرًا لافتًا، فيما أرست الفواصل الغنية بالوتريات بُعدًا شعوريًا إضافيًا.
اختيار داليا أغنية "إرجع لأن" لتكون افتتاحية العام الجديد كان خيارًا مدروسًا، إذ بدت الأغنية متكاملة العناصر في المجمل، ونجحت في التعبير عن وجع الفراق عبر كلامها ولحنها على حد سواء. كما دعمتها الرؤية البصرية التي ظهرت فيها داليا وهي تغني بانكسار واضح، تبوح بمشاعرها أمام الكاميرا ليظهر الحزن على ملامحها بصدق، الأمر الذي زاد من تأثير الكلمات على المستمع.
يليق هذا اللون الغنائي بصوت داليا وإحساسها، ويؤكد قدرتها على تقديم الأغنية العاطفية بثبات ونضج حتى وإن كانت بلهجة مختلفة عن لهجتها الأساسية.
هلا مصطفى / ضد
كنت قد تعرفت على داليا وسمعت صوتها للمرة الأولى حين قدمت أغنية "ترا حقي" باللهجة العراقية ومن ألحان علي صابر في 2019، وكانت حينها بين أبرز هيتات العام. واليوم، تعيد داليا التجربة مع الملحن ذاته في "ارجع لأن".
تنقل الأغنية الجديدة مباشرةً ومنذ الاستماع الأول شعورًا بأن لحن علي صابر هو بطل الأغنية، دون أن نشعر أنه صنع خصيصًا لصوت داليا أو ناسبها، بل يبدو أنه لحن قد يناسب صوت رجل، أو صوتًا مرتاحًا أكثر في أداء الطبقات المرتفعة والتعريب والاستعراض فيها. لذا، بدي لي أن سبب اختيار داليا لهذه الأغنية هو بحثها عن تكرار نجاحات حققتها سابقًا باتباع الخطوات ذاتها من جديد، دون أن تحاول تطوير أسلوبها الفني أو رؤيتها لخطها الموسيقي.
أما الكلمات، فحتى إن تمكنت من نقل حالة شعورية درامية، لكنها كلمات مباشرة وسهلة، بتعابير مستهلكة. جمل مثل: "بقلبي حجي، بعيوني دمعة/ معقولة يعني ما إلنا رجعة" و"وضعيتي كلش مو تمام/ البيّه سويته حرام" غير كافية لتتميز الأغنية أو تجذب الجمهور بين آلاف الأغاني العراقية الصادرة مؤخرًا.
صوت داليا متمكن دومًا، وبات مألوفًا لدى جمهور واسع، لكن شخصيتها الفنية تبدو ضائعة ومشتتة. إن سمعنا كل واحدة من أغانيها الصادرة في الفترة الماضية على حدة قد نُعجب بها، لكن بالنظر لمجمل ما تقدمه لا نشعر بالتكامل.
*مع أم ضد زاوية خاصة، يختار فيها نقاد من فريق بيلبورد عربية إصدارًا انقسمت آراؤهم حوله، بين من أحبه ومن لم يقتنع به، ليحلله كل منهم حسب رأيه الخاص، لأن الفن فيه جانب ذاتي، يتأثر بالذائقة الشخصية، ولا يمكن الإجماع عليه.






